موقع منهج حياة

يحب الحضانة ولكن.. "عن بعد"


276 مشاهدات

يحب الحضانة ولكن.. "عن بعد"

مشكلتي مع ابني الوحيد ذي الثلاثة أعوام أنه يخاف مِن كل مَن في الحضانة، أقرانه والمعلمة.. مع العلم بأن الحضانة تتبع أسلوبا علميا في التربية، وغير مسموح لا بالضرب، ولا حتى برفع الصوت.. ابني يخبرني أنه يحب الحضانة ويحب المعلمات، لكنه لا يريد المشاركة في أي نشاط، على عكس طبيعته في البيت، حيث إننا نعيش في بيت العائلة وهو يتعامل بشكل طبيعي مع أقاربه الصغار. ملاحظة: هذا ثالث له في الحضانة. وشكرا.. يقول أ/عزة تهامي وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. جزانا وإياكم.. إن كان هناك من يستحق الشكر فأنتم أولى به منا، لثقتكم فينا ولمحاولاتكم تربية هذا الجيل الذي ندعو الله أن يلهمنا وإياكم توجيهه وتنشئته على الوجه الذي يرضيه تبارك وتعالى. سيدتي.. عندما يخاف أطفالنا أو يبكون أو يرفضون فعل شيء ما فإننا نشعر بارتباك وحيرة: هل نتركهم يبكون حتى يتجلدوا ويشبوا ناضجين ونلزمهم بما هو في صالحهم حتى لو شعروا بالخوف؟ أم أن هذا الإلزام سيؤثر على سلامتهم وصحتهم النفسية؟ وتتفاقم هذه الحيرة وتكون على أشدها مع طفلنا الأول. والإجابة عن هذا التساؤل لا يمكن أن تكون واحدة في كل الحالات ومع كل الظروف. على أي حال، نحن هنا بصدد مشكلة محددة متكررة مع معظم أطفالنا عند التحاقهم بالروضة أو بالمدرسة، وبالرغم من قصر رسالتك وعدم وضوح بعض الأمور بها، مثل: هل أنت عاملة أم ربة بيت؟ وماذا تقصدين بكلمة (ثالث) في الجملة الأخيرة برسالتك فقد قلت "هذا ثالث له في الحضانة"، فهل ثالث تعني ثالث يوم أم أنها ثالث روضة على اعتبار أنه التحق بروضتين سابقتين وهذه الثالثة؟ وهل هذه الروضة تستمر طوال العام أم لها إجازات صيفية؟ وهل معنى عدم مشاركة عبد الرحمن في أي نشاط بالروضة أنه يرفض الذهاب إليها كل صباح ويبكي عند الذهاب إليها؟ وهل عدم تفاعله يقتصر على من بالمدرسة فقط أم أن هذا حاله مع أي إنسان غريب عنه؟ وعلى الرغم من عدم وضوح هذه النقاط فإنني سأبني كلامي على ما يحدث بشكل عام لمعظم الأطفال في هذه المرحلة، حتى ترسلي لنا التفاصيل اللازمة. في مرحلة طفلك العمرية يبكي معظم الأطفال أو ينطوون على أنفسهم عند التحاقهم برياض الأطفال، خاصة إذا كان أول عام لهم بها أو عند تغيير الروضة أو عند انتقال معلمة كانوا يحبونها أو عند تعاملهم مع شخصيات جديدة لم يعرفوها من قبل؛ حيث إن كثيرا من الأطفال يشعرون برهبة من الغرباء.. إلى آخر هذه الأسباب والظروف التي من شأنها أن تهدد أمن الطفل واستقراره في ظنه. والتعامل مع هذا الموقف لا بد أن يتسم بالحكمة حتى يمر بسلام ودون أن يترك أثرًا سيئًا في الطفل. فإلحاق الأطفال بالمدرسة أو الروضات يعتبر بالنسبة لهم صدمة الفطام الثاني كما يطلق عليها علماء النفس. والتعامل بحكمة يقتضي منا ألا نفعل أو نقول بعض الأمور الشائعة في مثل هذه المواقف، فلا يصح مثلا: 1. أن نستعطف الطفل للذهاب للروضة، فلا يقال له على سبيل المثال: "يلا نروح الحضانة علشان خاطر ماما" أو "لو ذهبت للحضانة اليوم سأشتري لك ما تريد"، أو يتم إيقاظه بطريقة ألطف من المعتاد - بالطبع لا بد أن يتم إيقاظ الأطفال بطريقة لطيفة دائما وليس عند الذهاب للمدرسة أو لرياض الأطفال فقط - كل هذه العبارات والأفعال ومثيلتها تجعل الطفل يشعر بمزيد من الخوف وعدم الأمان. 2. كما ينبغي عدم استجواب الطفل بعد عودته من الروضة: ماذا فعلتم اليوم؟ هل سررت اليوم بالروضة؟ أو هل أكلت طعامك اليوم؟ أو هل أجبت عن أسئلة المُدرسة؟ أو هل شاركت أصحابك في اللعب؟ إلى غير هذه الأسئلة والاستجوابات التي لا ضرورة لها على الإطلاق: لأن طفلك إذا كان من النوع الذي لا يحب التحدث أو السرد فلن تجدي معه طريقة الاستجواب هذه، وإن كان من النوع الذي لديه الاستعداد للتحدث فهو يسرد دون حاجة إلى الاستجواب. والبديل عن الاستجواب أن تتركيه يحكي لك على طبيعته وإن لم يفعل فابدئي أنت بسرد كيف كان يومك كنوع من تشجيعه على السرد. 3. كما ينبغي ألا نكثر من العبارات الوعظية، مثل: لماذا تخاف فليس هناك ما يدعو للخوف، فمعلمتك تحبك وكذلك أصحابك بالفصل، أو لماذا لا تجيب بالفصل ولا تشارك زملاءك ولا تلعب معهم؟! فكل هذا يزيد من انعزال الطفل وعدم الرغبة في المشاركة، فضلا عن الصورة الذاتية التي ستنطبع في ذهنه عن نفسه فسيرى نفسه شخصية عاجزة لا قيمة لها غير محبوبة محيرة ومتعبة. 4. عليك بالتحدث مع معلمته في الروضة على انفراد واطلبي منها أن تتعاونا معا على مساعدة عبد الرحمن في المشاركة والتفاعل مع الآخرين وتشجيعه على الكلام ليس بالإلحاح أو الضغط عليه، فهذا يجعله أكثر ارتباكا وانعزالا. ولي خبرة مع تلميذة بالمدرسة التي كنت أعمل بها كانت خجولة جدا ولا تتكلم مطلقا ولا تشارك بشيء بالرغم من أنها كانت ممتازة في الأعمال التحريرية، ونتيجة لذلك أطلق عليها بعض التلميذات عدة ألقاب كانت بلا شك تجرحها في صمت. وكانت أول خطوة نفذتها لمساعدتها على الخروج من هذا الخجل والانعزال عدم الإلحاح عليها لكي تتحدث، ولكن كنت أركز نظراتي عليها - بابتسامة مشجعة - لمدة ثوانٍ وأنا أشرح الدرس. والخطوة التالية أنني تواصلت مع أهلها بالبيت واتفقنا على أن نسير على نهج واحد وألا يتحدث معها أحد بالبيت عن خجلها ولا يعلق عليه، وتم نفس الاتفاق مع معلمات المواد الأخرى. الخطوة الثالثة: كنت في بعض الحصص – الاحتياطية - ألعب معهن بعض الألعاب التي تحبها التلميذات في هذه المرحلة العمرية وكانت هذه الفتاة تشارك في بادئ الأمر بالابتسامات فقط ورغبة اللعب تتضح في عينيها لكن طبيعتها تأبى عليها المشاركة الفعلية، ثم بدأت تشارك في بعض الألعاب، وبدأت تتأكد من أننا - جميع زميلاتها ومعلماتها وأهلها - لا نبغي سوى مشاركتها وقتما تكون مهيأة هي لذلك، وبدأت رويدا رويدا تخرج من هذه الانطوائية وتشترك معنا، ومع كل مرة تنتصر فيها على خجلها وخوفها كنت أعززها وأشجعها، وليس بالتعزيز المادي بل بالتربيت ونظرة الفخر بها وتعبيرات الوجه، لم أحدثها يوما عن هذا الخجل بل كان التعبير بالنظرة والابتسامة هو لغة الحوار بيننا. ولن تصدقي أن هذه الفتاة أصبحت بعد ذلك عضوًا بارزًا في الإذاعة والصحافة المدرسية، كل الذي قمنا به أننا لم نستعجلها، ولم نلح عليها ولم نخش أن تظل منطوية، فاستعجال الأمور والنتائج يمكن أن يفسد خطة الإصلاح بأكملها. حاولي إقناع معلمة عبد الرحمن بالخطوات السابقة لكن بطريقة ذكية لطيفة حتى لا تظن أنك تقومين بتوجيهها وتعليمها أصول مهنتها. امنحوا عبد الرحمن الوقت والحب والثقة بالنفس والتعزيز دون ملاحقة أو إلحاح وسوف يفهم من خلال خبرته في الروضة، ثم بعد ذلك في الحياة العامة أن المشاركة والتفاعل مع الآخرين خير من الخوف منهم والانعزال عنهم. كما يمكنك توسيع دائرة معارف طفلك بإشراكه في أحد الأندية إن كان هذا مستطاعا وشجعيه على اختيار رياضة جماعية يمارسها. وراجعي ما نشر على صفحتنا حول إلحاق الطفل بالروضة. وأخيرا سيدتي أدعو الله أن يعينك ويوفقك، وأنتظر منك توضيحا للأمور التي ذكرتها في أول الرسالة إن لم تفدك الاقتراحات العامة السابقة.