موقع منهج حياة

هل أسافر واترك طفلي؟


240 مشاهدات

هل أسافر واترك طفلي؟

أود استشارتكم في أمرين محددين، هما: 1. مسألة النوم 2. مسألة الانفصال عن طريق السفر، فلقد بدأ بعض الاضطراب في النوم بالنسبة لطفلتي منذ عمر سبعة أشهر تقريبا، حيث كانت تستيقظ ليلاً كل ساعة أو ساعة إلا ربع تقريبًا، ونظرًا لآلام ظهري الناتجة من الجلوس فترة طويلة للإرضاع فإنني قمت بتركها تنام معنا في سريرنا، وندمت بعدها أشد الندم لخوفي المستمر عليها عندما تنام قبلنا، حيث نضطر لإحاطة السرير كله بالوسائد حتى لا تقع ونطمئن عليها كل فترة فضلاً عن عدم الراحة أثناء النوم، فحاولت نقلها لسريرها بعد نومها ولم تنفع الحيلة في أغلب الأوقات، ثم صممت على عدم حملها عند استيقاظها والاكتفاء فقط بتهدئتها وقراءة القرآن عليها بصوت هادئ والمسح على جسمها لتطمئن، وفعلت هذا مرة واحدة، ولم أستطع الاستمرار لتأثري الشديد بطريقة بكائها الذي لم يكن عاديًّا، حيث كان نحيبًا يدل على حزن شديد ورجعنا على ما كنا عليه!! واستمرت على ذلك حتى قاربت عامها الأول، وتركتها في إحدى المرات لدى أمي التي تحبها كثيرًا، وسافرت لمدة ليلتين وصفت لي أمي بكاءها تمامًا على النحو السابق، مع ملاحظة أن هذا البكاء كان يظهر في فترة نوم الليل فقط، وفي الصباح تكون كل الأمور طبيعية للغاية، ولكنها اعتادت تقبل فكرة السرير المنفصل ومنذ ذلك اليوم (أسبوعان تقريبًا)، وأنا أحرص على إرضاعها حتى تنام في حضني، ثم أنقلها لسريرها حتى اعتادت ولله الحمد على ذلك. ولكن نومها ليلاً يتفاوت بين الاستيقاظ عدة مرات ليلاً وبين النوم المتواصل الجيد لعدة ساعات وبين الاستيقاظ فجرًا دون رغبتها في مواصلة النوم، رغم عدم نومها الكافي أثناء النهار أحياناً فصممت على أن أتبع مشورة أحد أطباء الأطفال بتركها تبكي حتى تنام لتتعلم النوم وحدها، وحتى تقل فرص استيقاظها ليلاً، وطبقت ذلك على نوم القيلولة، حيث حرصت على إرضاعها وتركتها في سريرها، وظلت تبكي وأنا أهدئها بين الحين والآخر وأربت عليها، ولكنها استمرت ببكاء شديد ونظرات حزينة للغاية حتى وصلت حد الاستفراغ ثم نامت بعدها. ولكنني أحسست بعدها بتأنيب شديد وشعور قاسٍ بالذنب فعزمت عزمًا لا رجعة فيه على أن أكتفي فقط بما وصلت إليه، أي إرضاعها حتى تنام، ثم وضعها في سريرها وتحمل كل الأوقات التي تستيقظ فيها بعد ذلك، وصممت كذلك على ألا يؤثر على شعوري بالذنب في الانتكاس، أي زيادة الرعاية والتدليل المفرط، والحمد لله الأمور سائرة على ما يرام حتى الآن. ولكنني ما زلت أتساءل: هل من الممكن أن يؤثر كل ذلك على صحة ابنتي النفسية؟ وما هي المؤشرات التي يمكنني ملاحظتها والتي يمكن أن تعطيني دلالة على أي اضطراب لا سمح الله؟ لأن شعوري بالذنب كبير جدًّا، خاصة عندما أتذكر طريقة بكائها واستفراغها. السؤال الثاني هو: مدى قابلية الطفل في هذه السن لانفصال والديه عنه بالسفر وتأثير ذلك النفسي عليه، والمدة المسموحة، وكيفية التهيئة، علمًا بأن السفر سيكون لمدة أيام معدودة مع ترك الطفلة مع أهلي الذين تحبهم كثيرًا. ملاحظات: أقضي أغلب أيامي معها فيما عدا يومين في الأسبوع أدرس فيهما دراسات عليا من 7 صباحا إلى 2 ظهرًا، وتكون فيهما لدى والدتي، كذلك أحب الإشارة إلى أنه لا يبدو عليها أي تأزم أو تعلق زائد بي ولله الحمد، كما أنها تتمتع بصحة وتوافق اجتماعي جيدان ويشاركني والدها في تربيتها بحب ويقضي أغلب الأوقات معنا (ساعات مكوثه المذكورة سابقًا تقديرية). الملاحظة الأخيرة: قرأت العديد من استشاراتكم حول النوم وعلى رغم انتفاعي الكبير بها إلا أنها خلقت لدي بلبلة ففضلت إرسال الاستشارة حتى يراعي الرد الفروق الفردية التي يتميز بها كل سؤال مع جزيل الشكر والتقدير، وجزاكم الله خيرًا. يقول د/عمرو أبو خليل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدتي الفاضلة أم فجر.. وبارك الله لك في ابنتك الغالية، ونشكر سعيك للحصول على النصيحة والاستشارة، خاصة في مسألة ابتعادك عن طفلتك بالسفر لعدة أيام.. ونحن إذ نشكر هذا السعي وهذا الإحساس بالمسئولية؛ لأن الكثيرين الآن لا يولون هذا الأمر اهتمامًا كبيرًا، ويتخيلون الطفل بدون مشاعر أو أحاسيس أو أنه على أحسن الأحوال لا يفهم، وبالتالي فلا مشكلة في الابتعاد عنه ليوم أو أيام أو ربما شهور؛ وذلك لأسباب متعلقة بالعمل أو غيره من أسباب لا يرى الكثيرون أنها مشكلة، وإنما هي أسباب مُلحَّة للانفصال عن أطفالهم، فالكثيرون يتركون أطفالهم لدى الأجداد يرعونهم ويتولون أمورهم دون أسباب حقيقية غير التنصل من تحمل المسئولية أو تقديرها. إن تجربة ابنتك في النوم نموذج واضح لما نقوله دائمًا من أن الطفل يعي ويدرك الكون من حوله من أول يوم في ولادته، وأن شعوره بالأمان من خلال حصوله على احتياجاته من طعام ودفء ورعاية هو الذي يجعله يشعر بالثقة في المجتمع الذي حوله، ويشعر أنه محبوب، وبالتالي يشعر بالحب نحو الآخرين، وهذه البداية السوية التي تؤدي بعد ذلك إلى مراحل نفسية سوية في نمو الطفل. هذه القاعدة الأساسية في فهم نفسية الطفل هي التي تجعلنا نستطيع أن نحكم على كثير من التوجيهات الغربية التي يتبرع البعض بالكلام عنها.. مثل ترك الطفل يبكي دون أن نرضعه أو نرى مطلبه حتى لا يتعود ذلك، وغيرها من التوجيهات غير التربوية القائمة على إفقاد الطفل هذا الشعور بالأمان ناحية من يقوم برعايته. ويجب أن تُلبى كل احتياجات الطفل في السنوات الأولى من حياته، وخاصة السنة الأولى يجب أن تلبى كل احتياجاته من غير تأخير أو تكاسل يجب أن يشعر بالرعاية الكاملة، يجب أن يشعر أنه مطلوب ومرغوب فيه، هذا الكائن الصغير يشعر ويفهم ويدرك.. ومن يتصور غير ذلك هو من لا يفهم أو يشعر.. منذ لحظة الولادة يجب أن يشعر الطفل بلمسة أمه؛ ولذا فإنهم الآن استغنوا تمامًا عن فصل الطفل عن أمه وإحضاره لها بعد ساعات، وعادوا إلى وضعه فوق بطن أمه لحظة ولادته حتى تشعر به ويشعر بها ولترضعه منذ الساعة الأولى ليسمع دقات قلبها وهي تعلن حبها له. وعلى ذلك فإن طفلك السوي الذي شعر منك بالحب والحنان والدفء خلال سنته الأولى والذي نتيجة لذلك استطاع أن يتواصل مع الآخرين، ويشعر أيضا بحبهم ومعاملتهم الطيبة له فإن انفصال أمه عنه لساعات يكون له أثر نفسي عليه، حيث يصاب ببعض القلق نتيجة هذا الانفصال، ولكن وجوده وسط من يهتم به يقلل من أثر ذلك، خاصة أن الأم تعود لتعوضه هذا الأمر بغمره بالحنان والاهتمام، وهكذا أيضا إذا انفصلت الأم لعدة أيام فهذا أيضا يقلق الطفل وربما يجعله بعد هذه الفترة أكثر ارتباطًا بها خوفًا من أن تختفي من أمامه مرة أخرى، وربما أيضا يزداد رد فعله لغيابها عنه لساعات، حيث يخاف أن تطول الفترة لأيام. لذا فإن انفصال الأم عن طفلها يجب أن يكون في أضيق الحدود وفي حالة الضرورة القصوى، خاصة في السنوات الثلاث الأولى من عمره، ولا مانع من أن يدرب تدريجيًّا للابتعاد والانفصال، ولكن في ظروف مريحة ودون إجبار على ذلك، ويتم الأمر بهدوء وبدون عصبية مع الطفل حتى لا يسبب له ذلك قلق الانفصال.