موقع منهج حياة

في الروضة.. طفلي خجول ومنسحب


212 مشاهدات

في الروضة.. طفلي خجول ومنسحب

التحق ابني الأكبر معاذ (5 سنوات) بالروضة منذ شهر، وأشعر بصعوبة في التعامل معه، هو طفل هادئ -خجول- غير معتمد على نفسه، ولا يجيد الدفاع عن نفسه، بل يقابل الإيذاء بالانسحاب عندما رافقته إلى المدرسة في الأيام الأولى تعرض للمضايقة من أحد الأطفال عند الألعاب، ففضل العودة إلى الفصل بكل هدوء، وتكرر معه الأمر لاحقا. ناقشت المدرسة في الأمر، حيث إن زميله المذكور لا يتعامل إلا بالضرب فشعرت عندها بأن من واجبي أن أعود ابني على الرد حتى بالضرب؛ لأن المدرسة لا تستطيع السيطرة على الطفل، فكيف أستطيع أن أجعل طفلي يرفض الإساءة دون تحطيم قيمه؟. كما أنني أعاني من عدم حديثه أبدًا عن المدرسة أو مضايقة هناك. فماذا علي أن أتوقع من حديث لطفلي حتى لا أحمله ما لا يطيق؟ انتهت تقول أ/عزة تهامي سيدتي الفاضلة..وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. بارك الله في ولديك وجعلهما قرة عين لك ولزوجك.. سيدتي تعالي معا نحدد ما ورد في رسالتك من سمات شخصية "معاذ"، أو على الأدق مخاوفك من هذه السمات: - طفل هادئ خجول. - غير معتمد على نفسه. - لا يجيد الدفاع عن نفسه ويقابل الإيذاء بالانسحاب. - هذا إلى جانب أنه لا يتحدث عما يجري بالمدرسة. سيدتي، هناك عدة أمور ربما تبدو بديهية، لكن لا بد من التذكير بها قبل عرض الحل: أولا: سمات شخصية الطفل يتحكم فيها عاملان هما: البيئة والوراثة، واختلف -بل واشتد خلاف- علماء النفس في نسبة تأثير كل منهما في تحديد ملامح الشخصية، لكني -على أي حال- أومن بالرأي الذي يؤيد أن للوراثة دورًا مهما في تحديد سمات الشخصية، ولكن الدور الأكبر والأعظم هو دور البيئة. ثانيا: حينما نتعامل مع أولادنا بخوف وقلق فإن هذا ينعكس على أسلوبنا في تربيتهم؛ مما يجعلهم عرضة لكثير من الاضطرابات النفسية، أو على الأقل للأزمات والمشكلات، والتي منها بالطبع فقدان الثقة بالنفس. ثالثا: حينما نتعامل مع أطفالنا وفقا لصورة ذهنية رسمناها لهم أو عنهم، فإن هذه الصورة تنتقل إليهم ويتصرفون وفقًا لها، فإذا كنا نتعامل مع طفل على أنه عنيد مثلا، ونردد على مسامعه ذلك فسنجده يتصرف طبقا لهذه الصورة، ويصبح مفهومه عن ذاته أنه شخصية متعبة عنيدة غير محبوبة. رابعا: إن التركيز على كل صغيرة وكبيرة للطفل ينشئه طفلا إما مدللا أو عنيفا أو متمردا عنيدا أو خجولا منطويا، (ويحدث هذا خاصة مع الطفل الأول). من هذه المقدمة البديهية سننطلق سويا للحل: - أنا لا أدري هل ورث معاذ الهدوء والخجل منك أو من أبيه، ولكن على أي حال إذا وجدت في نفسك هذه الصفة حاولي أن تدربي نفسك من خلال المواقف الحياتية اليومية على عدم الخجل حتى يرى "معاذ" القدوة التي تشجعه على ذلك. - حاولي قدر استطاعتك أن تتحكمي في مخاوفك وقلقك الزائدين على "معاذ"، فلن يصيبه مما تخافينه شيء، ولن يصيبه إلا ما قدر له –نسأل الله له العفو والعافية- سواء خفت أو لم تخافي. - تجاهلي بعض تصرفات "معاذ" ودعيه يخطئ ويصحح خطأه بنفسه، ولتتركي له مساحة لذلك. - لا تكرري على مسامعه أو أمامه بأنه طفل هادئ وخجول، سواء على سبيل الشكوى أو على سبيل المدح، فكثير من الناس يرون أن هذه صفات الطفل المؤدب. - من الأفضل ألا يتعرض الطفل بصفة عامة للحماية الزائدة والعطف الزائد طول الوقت. - تشجيع الطفل على أن يلعب ألعابًا جماعية فإذا رفض لا يُضغط عليه، وثقي تمامًا أنه سيفعل ذلك من تلقاء نفسه. - القصة لها أهمية كبيرة في علاج الخجل. أما عن عدم اعتماد "معاذ" على نفسه: - فلا بد أن تسند له مهام محددة بالبيت بعد تعليمه وتدريبه على ذلك، كمسح الأتربة من على الأثاث، أو طي الملابس، أو غسل أطباق الغداء أو العشاء. ويترك ليقوم بخدمة نفسه في كل ما يستطيع فعله، فعليه أن يعتاد ترتيب سريره وارتداء وخلع ملابسه بمفرده وتمشيط شعره، والاستحمام بمفرده...، وإن لم يكن يفعل ذلك من قبل فعليك بالتدريج معه كأن تتفقا أن يبدأ ذلك بيوم في الأسبوع، ثم يومين ثم ثلاثة، وهكذا. - وأن تتعاملي معه وكأنه شخص يمكن الاعتماد عليه، على ألا تسندي له مهاما تعجزه فيشعر بمزيد من عدم الثقة بالنفس، كأن تطلبي منه فجأة وبدون تدريب أن يذهب لشراء بعض مستلزمات البيت من أحد المحال التجارية المجاورة. أما عن عدم دفاعه عن نفسه: - كنت –سيدتي- أنبه على تلاميذ المدرستين التي عملت بهما عندما يعتدي بعضهم على بعض ما يلي: لا تبدأ بالعدوان على أحد، وأن الذي يعتدي عليك لا بد أن تنصحه بألا يفعل ذلك، ولكن إذا فعلها مرة أخرى فلا بد من تحذيره، وفي المرة الثالثة لابد أن تشكو للمعلمة فإن لم تنصفك المعلمة، وتأخذ لك الحق فعليك أن تأخذ حقك بنفسك، أما في حالة معاذ الذي لم يُعَد لهذا بعد، فعليك أن تؤهليه لهذا الأسلوب عن طريق قص الحكايات عن الشجاعة والإقدام، وأن تعرفيه أن ألم الخوف أشد بكثير من ألم الإيذاء الذي سيتعرض له. - للأب دور في غاية الأهمية في تعليم الابن الشجاعة والإقدام، وعدم الخجل والاعتماد على النفس فلابد أن يصطحبه إلى المسجد ويعرفه بأصحابه (على ألا يلح عليه بالسلام عليهم)، وأن يذهب به إلى المحال التجارية، ويعلمه كيف يشتري، ويحاسب على ما اشتراه، وأن يعوده ويدربه بشكل تدريجي الرد على الهاتف، ويأخذ بعض الملاحظات البسيطة من المتحدث حتى لو لم يكن يعرف الكتابة فيرسم رموزًا. وأن يحكي –أي الأب- له المغامرات الطريفة التي كان يفعلها وهو في مثل سنه شرط أن تكون مغامرات حقيقية، وألا تتعارض مع القيم التربوية التي يعلمها له، (من الضروري والمفيد الاطلاع على استشارة " الشجار والفطرة.. هل من علاقة؟ " ، وعدة موضوعات أخرى تناولت الشجار بين الأطفال مثل "في بيت العائلة.. ابنتاي ضحية شجار الأطفال" ، " شجار الأشقاء...مثلث الحل " ). أما عن عدم حديثه عما يجري بالمدرسة: فهو ليس مشكلة في حد ذاتها، فلي صديقة ابنها يتمتع بروح عالية من المرح والفكاهة، وهو طفل اجتماعي، ولا يراه أحد إلا وشعر بأنه طفل سعيد، ومع ذلك فهو لا يحكي كثيرًا عن ما يجري في المدرسة. فالعبرة ليس بسرد تفاصيل ما يحدث بالمدرسة، ولكن بالنتيجة التي تنجم عن هذا السرد، وهو الشعور بالسعادة في المدرسة، أو على الأقل لا يكون كارها لها، وأن يتمتع بشخصية اجتماعية سوية محبوبة، ولذا فعليك أن تكفي عن الإلحاح عليه أو استجوابه ليقص عليك ما يجري هناك. وأما إذا كان من هؤلاء الأطفال الذين لا يجيدون التعبير عن أنفسهم بوجه عام فعليك: - أن تبادري وتحكي له عن يومك كيف كان، وتعبري عن مشاعرك تجاه كثير من المواقف التي تمرين بها. - أن تعلميه أن التعبير عن المشاعر وعما يدور بخلدنا وبداخلنا هو نعمة من نعم الله علينا، وهو ما يميزنا عن غيرنا من الكائنات، وذلك عن طريق القصص أيضا. - أن يفعل الأب ذلك أمامه؛ ليكون له قدوة عملية، فيعبر عن شعوره بالفرح وبالرضا وبالحب وبالراحة وبالغضب وبالاستياء وبالقهر، على أن يكون إيجابيا تجاه كل هذه المشاعر. فإذا أحس بالرضا مثلا، عليه أن يحمد الله معلنا ذلك، وفي نفس الوقت يؤدي حق هذه النعم، وإذا شعر بالقهر والظلم، فعليه أن يرفع هذا الظلم عن نفسه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وإذا شعر بالغضب أن يستغفر ويتوضأ ثم يحاول علاج أسباب غضبه، ليتعلم "معاذ" من كل ما سبق ليس التعبير عن مشاعره وأفكاره فحسب، بل ليتعلم أيضا كيف يكون طفلا فعالا إيجابيا... - بالصبر وعدم استعجال النتائج، فطفلك لن يتغير بين يوم وليلة، ولكن سيعين على تغييره ما سيقوم به والده؛ لأن هذه الفترة هي فترة التوحد أو التقليد والتقمص، فالطفل الذكر يقلد والده ويحاكيه في كل سلوكياته تقريبا. وأخيرا أدعو الله أن يعينك ويوفقك وفي انتظار المتابعة معنا مرة أخرى إن شاء الله.