موقع منهج حياة

صدمة البلوغ والحجاب


703 مشاهدات

صدمة البلوغ والحجاب

أختي الصغيرة في الثالثة عشرة من عمرها وقد بلغت (بدأت الدورة الشهرية تأتيها) منذ فترة قصيرة فقط (4 أشهر تقريبًا). في بداية هذا العام الدراسي فرض عليها أبي أن ترتدي الحجاب، فغضبت كثيرًا وأصابها الغم وأقنعت أمي بأن ترتدي الحجاب في البداية في المدرسة فقط، وعندما تبلغ تمامًا ترتديه في كل الأماكن، فوافقت أمي وأقنعت أبي الذي وافق على مضض. وبعد أن بلغت تمامًا أصابها ما يشبه الصدمة؛ فهي ترفض أن يتحدث معها أحد منا أو حتى أمي عن الدورة الشهرية وكيفية التعامل معها، أو عن علامات البلوغ الأخرى مثل كبر حجم الثديين وارتداء حمالة الصدر، وترفض أن تخرج معنا إلى أي مكان، وإذا سألناها عن السبب قالت إنها لا تريد أن تلبس الحجاب وتريد أن تخرج بدونه، وحتى عندما تأتي إحدى الفتيات من الجيران لتطلب منها أن تلعب معها في حديقة البيت تتعذر بأعذار وهمية حتى تتجنب الخروج. وكذلك ترفض أن تصلي. أما عن طفولتها فهي المدللة وآخر العنقود وكل طلباتها مجابة، ولا تلبس إلا من أغلى الأنواع والماركات وتتباهى بذلك. وهناك ملاحظة هي أنني أختها الكبرى وقد تزوجت وطلقت وأنا حامل بولدي وولدته، وأنا عند أهلي، وهو يحظى باهتمام كبير من أهلي وحتى هي تحبه كثيرًا. وهناك سؤال لي في موضوع آخر هو أنني ألاحظ في هذه المدينة -التي أعيش فيها- سوء معاملة للأطفال ومفاهيم خاطئة كثيرة لدى الأمهات وحتى المتعلمات. (وأعرف ذلك من حديث النسوة في العيادة التي بجانبنا وهي عيادة طبيبة نسائية). فمن الأمهات من سمعتها تقول إنها تضرب طفلتها البالغة من العمر 8 أشهر على وجهها لأنها توقظها في الليل!!! وأخرى تعذب أطفالها الذين هم أقل من 3 سنوات بإحماء ملعقة على النار ثم تكوي هؤلاء الأطفال!!! وأخرى تضربهم بخرطوم المياه عند بلوغهم عامًا واحدًا إذا أخرج أحدهم في غير المكان المخصص!!!. والغريب أن هؤلاء الأمهات يتفاخرن بذلك ويعتبرن ذلك من حسن التربية؛ لذا كتبت إليكم لأنني أريد أن أصنع نشرة صغيرة تحتوي نصائح بسيطة وقريبة للأذهان لأوزعها على مريضاتي والمريضات في العيادات المجاورة، وأريد منكم أن تساعدوني في كتابة هذه النصائح إذا سمحتم. وشكرًا لكم. يقول د/عمرو أبو خليل سيدتي الفاضلة.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وأهلاً بك على صفحتك وبارك الله فيك على اهتمامك بأختك الصغيرة. أختي الكريمة.. نعم إنها الصدمة وهو أدق تعبير لما نتسبب فيه من مشاعر سلبية تجتاح بناتنا الصغار وهن يستقبلن المراهقة ، فنحن نفاجأ بأن بنتنا الصغيرة قد قاربت البلوغ أو بلغت فعلاً، وهي بالأمس كانت الطفلة المدللة التي لا يرفض لها طلب، تلعب وتمرح كما تشاء، فيكون رد فعلنا بالمفاجآت "غير المتوقعة"، وكأن البنت نامت طفلة واستيقظت هكذا بالغة بدون مقدمات. يكون رد فعلنا هو أن نحضر هذه الطفلة لنبلغها بالفرمانات والقرارات الصارمة والتي يكون أولها بالطبع هو لبس الحجاب والذي يكون مبرره المصرح به أو المفهوم ضمنًا عند الطفلة هو ستر هذه المظاهر الأنثوية التي بدت على جسمها الصغير.. ويصبح الحجاب -في نظرها- هو التجسيد لعملية التقييد أو التحجيم لأنشطتها ولممارسة ما كانت تحبه. وتصبح المراهقة رمزًا لفترة تكون فيها الممنوعات والمحظورات هي الأصل، فتكون الصدمة هي رد الفعل الطبيعي ويكون الرفض لأي حديث عن علامات البلوغ أو ما يترتب عليه هذا الحادث الذي قلب حياتها على غير انتظار. فالبلوغ -عندها- ارتباط بالمنع، والحجاب تجسيد لهذا المنع، بل هو الإعلان الذي لا تحبه عن دخولها في سجن المراهقة الذي سلبها حريتها.. هل ترون ماذا نفعل ببناتنا دون أي مسوغ من شرع أو عقل؟. وكان يجب عليكم إعداد الفتاة إعدادا جيدا لاستقبال هذه المرحلة، وما حدث منها إنما هو بسبب تقصيركم أنتم في تربيتها التربية الصحيحة وإعدادها الإعداد الجيد في طفولتها لاستقبال هذه المرحلة المهمة والخطيرة من حياتها. أما وقد ظللنا نائمين على آذاننا ولم ننتبه إلى أن بنتنا الصغيرة قد قاربت البلوغ، وداهمتنا الدورة الشهرية معلنة الميلاد البيولوجي لفترة المراهقة ولم نستعد بتربية الفتاة وتهيئتها لاستقبال هذه المرحلة فليس معقولاً أبدًا أن يكون رد فعلنا الأول هو أن نفرض الحجاب على هذه البنت الصغيرة بالقسر والقهر، بل بالحكمة والإقناع وبالتي هي أحسن. إن هذه الرسالة ورد فعل ابنتنا الصغيرة على فرض الحجاب عليها بهذه الصورة جعلني أستحضر عددًا من الحالات التي جاءتني في المركز بمشاكل نفسية خطيرة كانت بدايتها هذا الفرض القسري للحجاب -الذي لم يسبقه الإعداد المطلوب، وتهيئة الفتاة لاستقبال هذه المرحلة- والذي عبرت هؤلاء الفتيات عنه بأنه كان بداية الأزمة. وقد عبرت إحداهن عن تمردها على قهرها بلبسه بأن اكتشفت الأم حمل ابنتها ذات السبعة عشر عامًا بدون زواج، وتعلن الابنة في أول جلسة معها: نعم إنني أنتقم من أبي الذي قهرني على لبس الحجاب، جعلني أكرهه وأكره الالتزام الذي يدعيه. وقالت أخرى: إنني وأنا أفعل أي خطأ أتذكر أمي وهي تفرض عليّ الحجاب وتتصور بذلك أنها تحميني وتمنعني من الانحراف.. إنني أقول في نفسي: هاأنا أفعل. الثالثة فرض الحجاب عليها بلغة خطاب كان فيه الترهيب هو الأساس، فأدخلها في صراع نفسي عميق وجدت أحد الحلول للخروج منه بأن انتهزت فرصة سفرها لإحدى البلاد الأوربية لتخلع الحجاب؛ لتعلن أنها تصحح في العشرينيات من عمرها وصفًا ظلت مقهورة عليه لما يزيد على عشر سنوات. جاءت هذه الرسالة لترسم الخطوات الأولى في بدايات الأزمة.. وهي حالة الرفض الشديد الذي عبرت عنه هذه الطفلة بالانعزال ورفض الخروج، بل ورفض البلوغ ذاته، رافضة الحديث عن أي من آثاره أو علاماته ولتجعل عددًا من الأسئلة تطفو على السطح.. لماذا يفعل الآباء والأمهات ما يفعلون؟. ونحن لا ننكر أن يكون الحجاب فرضًا منذ البلوغ؛ لأن هذا شرع الله، ولكننا نتحدث في آليات تنفيذه، وقد يكون من الخير أن نتكلم مع بناتنا عن ثقافة الحجاب قبل التنفيذ؛ لأن الإنسان يحب الاقتناع بالشيء قبل فعله، ولا يحب القسر والإجبار على الشيء، حتى لو كان شيئًا يحبه، فلو كان الإجبار -غير المسبوق بالتربية والتهيئة- يؤدي إلى تذمر الفتاة من فعله، وقد يترتب عليه كرهها له، وعدم تطبيقها، فهذا يعني أن الوسيلة لتحقيق الفرض لم تكن صائبة. ونحن نتفق على الهدف، ولكن يجب أن ننظر إلى وسائل التنفيذ بنوع من الفهم العميق للمشكلة في إطارها العام، وليس الإطار الجزئي. وهل يمكن النظر لمسألة الحجاب كمسألة منفصلة أم ننظر إليها في إطارها الشامل المتكامل في إعداد الطفلة لاستقبال سن المراهقة؟ وبذلك يتحول الأمر إلى منظومة متناغمة تدخل بها الفتاة إلى سن المراهقة في سلاسة وهدوء دون مشاكل وأزمات.. دون تضخيم جزء على حساب الآخر أو تحويله لقضية كلية، وهو أمر يحتاج للنظر إليه في إطاره الصحيح دون إفراط أو تفريط. وسننطلق من السؤال الأخير فنقول: إن الإعداد الصحيح للطفلة لدخول سن المراهقة يستوجب الإعداد المبكر والمتدرج والهادئ الذي ربما يستمر على مدار العام السابق لحدوث البلوغ الفعلي والذي يبدأ مع بداية ظهور العلامات الثانوية، مثل بداية ظهور الشعر تحت الإبط وحول العانة.. بداية بروز النهدين.. أو تغير توزيع الدهون في الجسم ليأخذ الشكل الأنثوي، حيث تكون هذه العلامات إيذانًا بقرب حدوث البلوغ. ومن هنا يمكن انتهاز الفرصة لبداية الحوار الهادئ حول ما يحدث وما سيحدث ولماذا يحدث، وربطه برسالة الإنسان في الأرض وغرض الله من خلقه "إني جاعل في الأرض خليفة" وأن خلافة الله في الأرض تعني إعمارها، وجزء من الإعمار هو انتشار البشر وتكاثرهم من خلال تكوين الأسرة، وبالتالي لقاء الرجل والمرأة من أجل تكوينها وتهيئة كل منهم للقيام بدوره، فالأم ستحمل الأطفال وترضعهم، وبالتالي لا بد من إعدادها بيولوجيًّا وجسميًّا لذلك؛ ولذلك كانت هذه التغيرات التي يميز الله بها المرأة ويكرمها لأداء دورها العظيم في الحياة. وبالتالي فما يحدث من تغيرات يستوجب الفخر؛ لأنه مرتبط بمهمة الإنسان في خلافة الله في الأرض، ثم هو يهب للمرأة جمالاً وجاذبية يجب أن ترتبط برسالتها في الحياة؛ ولذا فإن الله شاء ألا يظهر هذا الجمال إلا للزوج؛ ولذا فإننا مطالبون بستره ليس لأنه أمر نخجل منه فنخفيه، بل هو تمييز للمرأة وتكريم لها "ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين". وهذا لا يعني أن تحرم المرأة أو الفتاة من أي نشاط تؤديه، فهو رمز لالتزامها وإيمانها، ولكنها تمارس كل أنشطتها الإنسانية في إطار عبوديتها لله ورغبتها في إرضائه.. من أجل هذا الأمر العظيم الذي خلقها من أجله، ويسير الحديث بهدوء ويثور عدد من التساؤلات، ولماذا تحيض المرأة دون الرجل؟.. ولماذا تحمل المرأة دون الرجل؟.. ولماذا لا يلبس الرجال الحجاب؟.. ولماذا؟ ولماذا؟... والإجابات تكون هادئة ومقنعة. إن الله قد خلق كل جنس لمهمة وليس هناك مهمة أهم من مهمة المرأة. فالكرسي والمكتب كل له دور، الكرسي للجلوس والمكتب للكتابة، وليس معنى هذا أن المكتب أهم من الكرسي أو العكس.. هكذا الرجل والمرأة خلقهما الله لأدوار مختلفة، والحجاب أيضًا ليس فيه تقليل من شأن المرأة، فهو شعار المرأة المسلمة ورمزها وهو لا يمنعها من أن تقوم بكل مهامها، وإنه إعلان عن التزام المرأة، ولكنه لا يغني عن الالتزام الحقيقي والأخلاق الصحيحة؛ لأن العاصم الحقيقي هو الأخلاق والأدب، والحجاب يعتبر إعلانًا لوجودهما، ولكنه لا يغني عنهما. فلو وجد الحجاب بدون التزام أخلاقي فلن يغني عن صاحبته شيئًا، فهو جزء من كل كبير وعظيم.. هو هذا الإسلام بغاياته العظيمة؛ ولذا يوضع في مكانه دون أن يتحول إلى غاية في ذاته، فالدين المعاملة، "وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ودخلت امرأة النار في هرة (قطة) حبستها، ودخلت مومس الجنة في كلب سقته. والتي تقيم الليل وتؤذي جيرانها هي في النار، ومن لم يدع قول الزور والعمل به فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه.. هذه التوجيهات النبوية الشاملة هي التي تزن الأمور وتضعها في نصابها الصحيح ليصبح الحجاب جزءاً من منظومة كلية، وليس هو كلاًّ؛ لأنه التزام بالشكل الخارجي، دون أن ننظر إلى تبعات هذا الأمر الإلهي الجليل. إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم -الذي حدد طريقة تدريجية للتعامل مع الأطفال في أمر الصلاة تقوم على التشجيع لعدة سنوات حتى يعتادوها، ثم يكون الحساب عليها مع قرب المراهقة- شاهد أسماء بنت أبي بكر في أثوابها الرقاق فلفت الأمر انتباهه ووجهها التوجه الهادئ الكريم دون زجر ودون قسر: يا أسماء إذا بلغت المرأة المحيض فلا يصح أن يظهر منها إلا هذا وهذا، وأشار لوجهه وكفيه. أي أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وقد يكون غيرها من الفتيات المسلمات في مثل سنها وظروفها وقد نزلت آية الحجاب ظللن يلبسن ثيابهن العادية حتى جاء توجيه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الرقيق الهادئ الذي يدخل إلى القلب والنفس والذي هو في الحقيقة تتويج لتربية تلقتها أسماء بحيث يصبح أمر النبي صلى الله عليه وسلم لها شيئًا نافذًا. إن بناتنا الصغار دون فرض للحجاب عليهن وهن أطفال يحتاج الأمر منا إلى تهيئة هادئة وحوار لا يشعرهن بأن الحجاب قد جاء لسلب حريتهن، أو أنه فرض قسري لا فكاك منه.. لقد عالج الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر بهدوء؛ بتوجيه بسيط مبني على تربية متكاملة، فكان طبيعيا أن تكون الاستجابة فورية، ولم يعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم تأخر أسماء عن الاستجابة لآية الحجاب كارثة تستدعي الثبور وويلات الأمور، بل أعطى لها توجيهًا خاصًّا يعلمنا كيف نتعامل مع بناتنا دون صدمة أو صدام. وإذا لم نكن قد أعددنا بناتنا مسبقًا لاستقبال المراهقة، فيجب ألا ننفي الأمر ولا نتعجله ولا نختصره أو نجسده في الحجاب فقط، بل لابد من أن نعطي الأمر وقته بهدوء وتدرج ونفتح الحوار؛ لأن الله قد دعانا للحوار مع الكفار وإلى دعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، فما بالنا ونحن نعامل بناتنا فلذات أكبادنا. وإن من الحكمة ألا نقسرهن على الحجاب وأن نتحاور معهن بهدوء.. حتى لا يصبح الدين عندهن رمزًا للقهر أو المنع أو الحرمان، وهو في الحقيقة غير ذلك، بل وهن يسمعن منا حكمة البلوغ وربطها بغاية خلق الإنسان سيشعرن بعظمة هذا الدين وتكريمه لهن وعندها سيصبح الحجاب رمزًا للكرامة والاعتزاز بالهوية، وستلبسه البنت وهي تعلم أنه رمز لحريتها وليس لقهرها. أيها الآباء والأمهات.. اتقوا الله في بناتكم.. أعطوا الإعداد حقه فهذه هي الحكمة ليرضى الله عنا. ولا يفهم مما سبق أنها دعوة للتقليل من أهمية الحجاب، فكيف نقلل من شأن فرض افترضه الله تعالى على بنات حواء بعد البلوغ، وإنما نقصد أن نهيئ بناتنا لهذا الأمر، وأن نوجد لهن المناخ الذي يساعدهن على تنفيذ أمر الله بالحب لا بالجبر والإكراه. وبناء على ما سبق فإنك -بالنسبة للتعامل مع أختك في حالتها النفسية وانعزالها- يجب أن تراجعي ما كان ينبغي عليكم القيام به مع هذه الفتاة، فأعلنوا لها أنه ليس لدينا مانع الآن أن تتخلي عن حجابك في سبيل أن يكون ذلك في إطار رؤية متكاملة لقضية المراهقة.. بمعنى أن نجلس إليها ونخبرها أن المسألة ليست مسألة حجاب، ولكن مسألة معنى المراهقة ككل فنشرح لها مفهوم المراهقة وعلاقته بدور الإنسان في الحياة وبالرسالة التي خلقه الله من أجلها، والتكريم الذي يحمله سن المراهقة بالنسبة للفتاة. وفي هذا السياق يأخذ الحجاب وضعه الطبيعي في نظرتها لشمول الإسلام وفي نظرتها لسن المراهقة، ويصبح الأمر مفتوحًا للحوار والتفاهم دون توتر أو قلق، بمعنى أن نعطي لأنفسنا الفرصة لتعويض ما فاتنا من إعداد لهذه الفتاة لاستقبال المراهقة، وأن نعطيها الفرصة هي أيضًا لأن تستقبل مرحلة المراهقة بطريقة سوية يكون الحجاب جزءاً منها وليس هو قضيتها الأساسية.