موقع منهج حياة

زواج الأقدار: حدث في مثل هذا اليوم


144 مشاهدات

زواج الأقدار: حدث في مثل هذا اليوم

أنا فتاة تجاوزت العشرين بقليل، بدأت تلك المشكلة مند سبع سنوات وبالتحديد عندما كنت في الصف الثاني الثانوي. فقد أحببت شابا، كان زميلي في تلك المرحلة الثانوية، ولكنه التحق بكلية بينما التحقت بكلية أخرى. أصدقك القول يا سيدي الفاضل إنني لم أر في حياتي كلها من هو أخجل وأكثر أدبا منه ولعل هذا هو سر حبي الشديد له. وكما سبق وقلت لك بأنني قد أحببته مند سبع سنوات، ولكنني لم أسع إلى إقامة أي علاقة معه لعدة أسباب أولها أنني أخاف الله وأتقيه وأعرف أن إقامة أي علاقة عاطفية مع أي شاب هي حرام، وثانيا لأنه كما سبق أن أوضحت أنه شاب خجول ومتدين ولا علاقة له بالفتيات، وثالثا لأنني كنت أقول لنفسي إن هذه فترة حرجة، وكنت أقول لنفسي إن هذه فترة مؤقتة وستنتهي عندما يلتحق كل منا بكلية مختلفة، وسوف أنفتح على عالم أكبر من العالم الذي كنت فيه وسأقابل أشخاصا آخرين. ولكن بالعكس، فقد التحقت أنا بالجامعة وتخرجت فيها والتحق هو بكليته، وتخرج فيها هذا العام، وكل يوم يمر علي يزداد حبي له رغم أنني كنت لا أراه، وإذا رأيته يكون ذلك مرة أو مرتين على الأكثر في العام، وتكون بالصدفة من غير تبادل أي كلام أو حديث. ولكن هناك بعض الأمور كانت قد حدثت في الثلاث السنوات الماضية والتي أحسست أنها قد أنعشت الأمل في قلبي، وأن الله قد استجاب لدعواتي التي ظللت أدعوه بها طوال السنوات الماضية. ولكن قبل أن أعرفك تلك الأمور أود أن أعرفك بعض الأشياء: زميلي هذا يسكن بالقرب منا، ويعرف أخي الذي يكبرني، فهما أصدقاء، فأخي أيضا متخرج بنفس الكلية التي تخرج بها زميلي. وفي نفس الوقت فإن لزميلي أختين تصغرانه، هما في نفس الوقت زميلات لشقيقتي الصغرى. منذ ثلاث سنوات تقريبا، وفي يوم جمعة كنت قد توضأت وصليت الظهر، ودعوت الله بعد صلاتي -كعادتي- أن يجمع شملنا على خير، وكنت في ذلك اليوم على موعد مع مكتبة من المكتبات لأصور بعض الأوراق المطلوبة مني في الكلية. وحينما انتهيت من صلاتي دعوت الله من أعماق قلبي أن أراه في ذلك اليوم، حيث إنني لم أره منذ مدة طويلة جدا، وبالفعل رأيته في نفس الشارع الذي كانت توجد فيه المكتبة التي كنت ذاهبة إليها مع أحد أصدقائه، فتعجبت وقلت يا سبحان الله. وفي العام الذي يلي تلك الواقعة علمت أن واحدة من شقيقاته قد تمت خطبتها، وقبل موعد الزفاف بأيام قام هو بدعوة شقيقي الأكبر، واتفقنا في المنزل بأننا سوف نذهب إلى ذلك الزفاف. ولكني فوجئت في يوم الزفاف باتصال هاتفي من شقيقته العروس تريدني أن أذهب معها إلى الكوافير فتعجبت من هذا لأن علاقتي بها لم تكن قوية كما ينبغي لكي تطلب مني ذلك. ولكني طبعا ذهبت، ولا أستطيع أن أصف لك الحفاوة التي استقبلنني بها، أعني بالطبع شقيقاته ووالدته فقد عاملنني كأنني واحدة من أصحاب الفرح. وفي ذلك اليوم قالت لي شقيقته الأخرى بعض الكلمات التي ما زلت أذكرها حتى الآن، وفي حفل الزفاف كانت دائما ملازمة لي وأصرت أن أكون معهن في الصور الفوتوغرافية. وفي مثل هذا اليوم بعدها بعامين كنت صائمة كما تعودت أن أصوم كل يوم اثنين وخميس، وكنت قد خرجت من المنزل لأبتاع بعض المشتريات للمنزل، وقبل خروجي دعوت الله أن أرى شيئا يسرني ويبهجني في ذلك اليوم بالذات، وبالفعل تقابلنا، ولكننا لم نتبادل أي حديث؛ لأننا كنا نخجل من ذلك. والآن يا سيدي الفاضل بعد هذا التفصيل الدقيق للمشكلة هل تعتقد أن الله يدخر لي الخير مع هذا الشاب في النهاية. لقد دعوت الله خلال السنوات الماضية أن يجعله من نصيبي، ولقد اتقيته، فقد أخبرتك أنني لم أقم أي علاقة معه، ولكن قلبي متعلق به بشدة، وهذا ليس بيدي يا سيدي الفاضل، فأرجو منك أن تخبرني بعد كل هذه الدلائل التي قصصتها عليك: هل أتمسك بأمل أن يكون هذا الشاب من نصيبي؟ أرجو سرعة الرد، كما أطلب منك أن تخبرني بدعاء أقوله كي يرزقني الله بالفرج القريب. وشكرا. انتهت يقول د عمرو أبو خليل منذ فترة قريبة كنت ألقي محاضرة عن الدوافع النفسية، وكنت أتحدث عن تأثير هذه الدوافع النفسية على إدراك الإنسان للأمور، ومما تحدثت عنه ما يسمى بالإدراك الانتقائي، واجتهدت في ضرب الأمثلة التي توضح للمستمعين ماذا يعني الإدراك الانتقائي، وكيف أننا ننتقي ما ندركه بحيث يكون موافقا لدوافعنا ومشاعرنا وما نتمناه وما نرغبه. ولو كانت رسالتك بين يدي في ذلك الوقت لكانت أصلح نموذج لتوضيح هذا الأمر وشرحه بصورة لا يمكن نسيانها أو الخطأ فيها؛ لأنها ليست فقط إدراكا انتقائيا في موقف واحد، ولكنها حياة كاملة تعيشينها لمدة 7 سنوات تختارين فيها المواقف المختلفة وتعيدين ترتيب الوقائع للتوافق مع ما تتمنين حدوثه. إنها أحداث عادية جدا، ومواقف تتكرر في اليوم مئات المرات. في أكثر من ألف يوم تمنيت مئات المرات أن ترينه، فرأيته مرتين، ولا تتذكرين غير هاتين المرتين، وتنسين مئات المرات الأخرى التي دعوت الله أيضا فيها، ولم يحدث شيء؛ ليس لأن الله لا يستجيب دعواتك، ولكن لأن الأمور لا تحسب هكذا ولا تتخذ المواقف أو الحسابات بهذه الطريقة. هل تريدين أن تتخذي قرارا خطيرا في حياتك على مستوى الارتباط من أجل الزواج بناء على هذه الأحداث العادية التي ليس لها أي دلالة إلا في عقلك أنت وتصورك.. وتبعثين تسألين: هل لي نصيب في هذا الشاب؟ إن أملك في هذا الشاب يشبه أملك في أي شاب آخر من جيرانك الذين يرونك وترينهم ويعرفون أسرتك وتعرفين أسرتهم ودعوك لأفراحهم ودعوتهم... كل الفرق بداخلك أنت هو أنك تتمنين هذا الشاب؛ ولذلك فأنت ترين المواقف العادية من خلال هذه الأمنية وكأنها علامات وإرهاصات لأمر سيحدث، وربما لو بحثت في مواقفك مع باقي الجيران أو الزملاء لربما وجدت مواقف أكثر دلالة أو أهمية، ولكنك لا تلتفتين إليها لأنها لا تدل على ما تحبين أو تتمنين. إن تقوى الله ودعاءه خير لا تتوقفي عنه أبدا، ولكن لا تربطيه بتحقيق أمر بعينه، فالدعاء -كما تعلمين- إما أن يحققه الله كما يدعو صاحبه به، ولكن في الوقت الذي يشاؤه الله، وإما أن يدفع الله به بلاء عن الإنسان بقدر هذا الدعاء، وإما أن يدخره الله لصاحبه يوم القيامة فيجده خيرا مما دعا. الزوج رزق من الله يقدره الله للإنسان كيف يشاء، والدعاء سلاحنا الذي نتقرب به إلى الله، ولكنه ليس دعاء مشروطا بتحقق أمر بعينه.. هذا ليس من الأدب في الدعاء والتعامل مع الله؛ فنحن ندعوه بالخير وما يتحقق هو ما اختاره الله لنا. ويضيف د.أحمد عبد الله : ما تثيره هذه الابنة الكريمة يشترك مع مسألة شائعة تحتاج إلى بيان وتوضيح أنها من التجليات الواضحة لخلل عميق عند كثير من الناس وهم يحسبونه من الالتزام، وقد عالجنا أسئلة مشابهة وتساؤلات بعضها مباشر حول هذه النقطة. يا إخواننا ويا أخواتنا: المؤمن يوقن بالقدر، ومعنى ذلك أنه لا يقع في كون الله سبحانه شيئا خارج قدرته أو دون علمه، والرزق والأجل مثل الصحة والمرض كلها في أقدار الله. وأتفق مع القائلين بأن الزواج رزق مثل كل الأقدار، ولكن بعضنا -وأخشى أنهم أغلبية- قد انحرفوا بهذا المفهوم إلى الابتذال إلى نراه في التعري والتغنج لاصطياد الزوج الفريسة، وهي مغامرة ومخاطرة قلنا فيها قبل ذلك الكثير، ولعل العودة إلى سيكولوجية الرجل الشرقي تفيد هنا. وبالمقابل نجد الفتاة المحافظة تجلس تنتظر "رزقها" مثل ابنتي التي تشعر بالميل تجاه هذا الزميل، ولا تريد أن تتصل به أو تقيم علاقة لأن ذلك حرام، وأستغرب من أنها أيضا لا ترى أن هذا العجز والقصور في طلب الرزق هو من الحرام أيضا! هل يجلس أحدنا في المساء وينتظر السماء أن تمطر عليه ذهبا أو فضة بمقدار الزرق الذي يقدره الله له، وهل هذه هي مقتضيات الإيمان بالقدر؟ قد يحدث بعض هذا الجمود عن طلب الرزق أن يتجه الهدف المقصود -وأعني به الشاب المنشود- إلى اتجاه آخر لأن صاحبتنا لم تتحرك ولم تظهر على شاشة حياته أو اكتفت بلعب دور هامشي في زاوية المشهد بدعوى انتظار النصيب، وعندما يحدث هذا الاتجاه إلى أخرى تجلس فتاتنا تندب حظها وتلوم الزمان أو تجد من يقول لها هذا نصيبك يا ابنتي فلا تعترضي على الأقدار؛ لأن "الزواج رزق"... فما كل هذا الخلل الذي نعيشه؟! وهل هذا هو دين الله ومراده من البشر أن يحولهم إيمانهم إلى دراويش بلهاء؟! وأنا أنتقد هنا ظاهرة واسعة، وليس مسلك السائلة. إن مثل هؤلاء هم الذين سألوا الفاروق عمر، وهو يهرب من أرض فشا فيها الطاعون: هل تفر من قدر الله؟! فرد عليهم: أفر من قدر الله إلى قدر الله. وفي حالتنا أقول: إذا رأت الفتاة من الشاب ما يعجبها منه ويرغبها فيه فلا بأس من أن تجمع عنه معلومات أكثر من مجرد "خجول ولا يحادث الفتيات"؛ لأن الزواج علاقة أكثر تركيبا من هذا، ثم إذا تأكدت نظرتها فلا بأس أن ترسل إليه من يحثه على التقدم لها. ولنا في هذا تفصيل ينبغي الاطلاع عليه، فإذا نجحت هذه الوساطة قلنا الحمد لله وتمنينا الخير للطرفين، وإذا حدث غير ذلك قلنا الحمد لله والخيرة فيما اختاره الله، وقدر الله وما شاء فعل. هذا هو الإيمان واليقين والسعي لطلب الرزق مع التسليم بأنه لا يصيب الإنسان -وهو يتحرك ويسعى- غير قدر الله في كل الأحوال. اللهم رحمتك بالمسلمين.. ينبغي لاكتمال الفكرة أن أؤكد أن للوساطة التي أقترحها هنا أصول ومواصفات، وإلا فقدت الغرض منها، وقد تنقلب مشكلة.