موقع منهج حياة

حتى حين : ابتعد عنها.. لتعرف حقيقتها


165 مشاهدات

حتى حين : ابتعد عنها.. لتعرف حقيقتها

بداية أنا شاب في الثانية والعشرين من عمري، ولكيلا أطيل سأختصر، لقد أحببت فتاة حبا جما وكبيرًا إلى أبعد الحدود لدرجة أنني كنت أخاف عليها من أي شيء كأني أمها. أولا أحكي لكم مواصفاتها كي تستطيعوا إفادتي فقد توفي أبوها وهي في سن مبكرة، في الثانية من عمرها تقريبا، وتوفيت والدتها وهي في السابعة عشرة، وهي الآن في سني. المهم.. نشأ بيننا الحب الجميل وبدأت أحس بحبها لي، وهذا كان يسعدني كثيرا؛ لأنها مرت بعلاقة قبلي وأحبته أيضا حتى إنه في حكم صديق لي وبالقرب من المسكن، وكانت تتكلم عنه كلما انفتح الموضوع وكنت أتضايق كثيرا لوضوح حبها له، ولكنني لم أتركها لشدة حبي لها، وأنا أذكر لها مواقفها الجميلة التي تدل على حبها لي، ولكني عندما أجلس لنفسي أحس بالإحباط، أما الآن فقد بدأت التحسن قليلا، وإن كان عندكم ما يفيدني في هذا فأعينوني. أما الآن فسأدخل في الموضوع الأساسي، وأرجو عدم الضيق من إطالتي هذه، نحن الآن في علاقة حب جميلة يعرفها الأهل هنا وهناك، ولكني لم أتقدم لخطبتها حتى الآن لعدم وجود عمل ولكنني أحاول وهذا ما يعطلني، وهي تعيش مع إخوتها ويعرفونني بعض الشيء والموافقة موجودة، لكن العمل أساس كل شيء وعلاقتنا منذ حوالي سنة ونصف، منها سنة أثناء دراستي في معهد حاسب آلي، ومنها النصف سنة وأنا متقاعد. زادت علاقتنا أكثر وأكثر حتى حدث ما لا أنتظر وهو أننا مارسنا ما يمارسه الزوجان تماما والذي هو عند الله فاحشة كبرى، وحدث هذا بمحض الصدفة دون ترتيب، وكنت أريد أن نذهب إلى المأذون كي يزوجنا، ولكني كنت أريد الانتظار ليكون أمام عائلتنا بشكل سليم، ولكني والله ندمت ندما شديدا جدا وكثيرا ما أبكي على حالي وما فعلت، وأحسد أصدقائي أحيانا على أنهم غير ذلك، مع العلم أني أصلي في المسجد جميع الفروض والحمد لله. فهل ما فعلت يريني أنني من الضالين ولن أكون من المهتدين الصالحين الذين يرضى الله عنهم وأنني عند الله عاص أم أن الله يغفر لى ذنوبي؟ علما بأني عندما أقرأ القرآن وخاصة آية تخص الرحمة والغفران أبكي كثيرا وأندم على ما أنا فيه، ثم أفكر كيف فعلت هذا وكيف هي أيضا. كل ما أريد قوله أنني أتوجه إلى الله عز وجل بالتوبة حيث إنني أصلي والحمد لله، وهي أيضا حيث أمرتها بارتداء الخمار، والله إنني أراها جميلة فيه جدا، وأحبته كثيرا، وأصبحت تصلي وتسمع الشرائط الدينية، وكل ما تريده هو الاستقرار والحياة الزوجية السعيدة. وبذلك أرجو إفادتي ماذا أكون عند الله الآن رغم أن نيتي سليمة؟ أعرف أن ما فعلت خطأ ولكن أعرف أنه الشيطان اللعين.. فهل أذهب بها إلى المأذون أم أنتظر حتى يتم ارتباطنا بطريقه طبيعية؟ علما بأن نيتي أن تكون زوجتي حتى إنني أخاف أن يحدث لي شيء قبل ذلك، وليغفر لنا الله. أفكر في الزواج العرفي كثيرا، لكنني لا أفضله؛ لأني أعلم أن أساس الزواج الإشهار. انتهت تقول د ليلي أحمد الأحدب مشكلتك يا بني العزيز تطرح مشاكل عدة في الوقت نفسه، وأعتقد أنها مشكلة موجودة أكثر مما نتصور في المجتمع الذي لا يهيئ للشاب عملا يستطيع أن يكفي معه نفسه ويعدها ليفكر جديا بالارتباط والزواج، وهو نفسه المجتمع الذي سهل الزنى وأعاق الزواج، بعد أن أصبحت الفتن تحيط بالشباب من كل صوب وحدب، وبعد أن أصبح غلاء المهور وحب الظهور هو الشرعة السائدة.. فهل أستطيع أن أعنفك على ما فعلت وما أخطأت مع تلك الفتاة وما أتيت من كبيرة في حق نفسك وربك دون أن أشير بإصبع الاتهام واللوم إلى هذا المجتمع الذي يمور بالفساد ويزخر بالفتنة والشهوات؟ . إذا كان عمر رضي الله عنه قد ألغى حد السرقة في عام الرمادة بسبب الجوع الذي أصاب الناس، فليس لي إلا أن أدعو الله أن يمنّ على أمتي برجل ملهم كعمر يستطيع أن يجد حلا لهذه المشاكل التي تضطرب أمواجها فترفع زوارقنا تارة وتخفضها تارة أخرى، بل وكثيرا ما تقلبها علينا، فلا ينجو إلا من أتقن السباحة في هذا البحر الفاسد، فصلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله إذ أمرتنا أن نستعيذ من زمن لا يتبع فيه العليم ولا يستحيا فيه من الحليم، هذا الزمن الذي يغدو فيه الحليم حيران.. يصبح المرء فيه على حال ويمسي على حال، يصبح مؤمنا ويمسي كافرا، نعوذ بالله من الخسران. لا أرى حلا لهذه المشاكل سوى التضرع إلى الله سبحانه بقلب منكسر بائس ليكشف الغم ويزيل الهم ويرفع البلاء، فوالله إن مصائب الدنيا كلها لا تعدل مصيبة المرء في دينه، فكيف فعلت ذلك يا بني؟. لن أناقش معك العلاقة السابقة لفتاتك مع من أحبت قبلك، خاصة أنك لم تذكر لنا مدى حدود هذه العلاقة.. وعلى كل حال فإن المرء لا يملك إلا أن يشفق عليها ما دامت يتيمة الأبوين؛ إذ لا تعرف أباها بسبب وفاته وهي في عمر السنتين، وقدّر لها أن تفقد والدتها وهي في سن أحوج ما تكون فيه إلى نصح الأم وإرشادها، ولكن سأترك الكلام عنها إلى نهاية الرد. أبدأ بما قلت عنه إنه موضوع أساسي، فرغم معرفتي بقسوة الظروف التي تحيط بك وبأمثالك من شباب اليوم، هذه الظروف إذا كانت منعتك من إظهار حبك لمن أحببت بالشكل الذي يحبه الله ويرضاه ألا وهو سنة الله ورسوله.. لكنها لا تبرر لك الخطيئة؛ لأن المؤمن يجب أن يكون أقوى من ظروفه فيطوع الظروف لدينه ولا يخسر دينه من أجل لحظة لذة؛ ولذلك فإن مقولة (لا تسألوا الناس بل اسألوا الظروف) مردودة على من قالها، وإلا لكان من حق كل منا ألا يفعل شيئا سوى أن يجلس نادبا ظروفه!. ليس لديّ أدنى شك في أنك تحبها حقا، ولكن أرجو أن تعلم أن من يحب هو مفتون بمن أحب، فهل تتخيل أن تضع الفتنة أمامك ثم تستطيع منع نفسك عنها سواء كانت هذه الفتنة محجبة أم لا؟ إذن فالخطوة الأولى أن تبتعد عن هذه الفتاة كليا فلا تتصل بها من قريب ولا بعيد، وقبل أن تفعل ذلك تخبرها على الهاتف دون أن تلقاها وجها لوجه، ودون أن تضعف لسماع صوتها أو بكائها ونحيبها إذا فعلت شيئا من ذلك، فتعترف لها بشجاعة أنك أخطأت معها إذ أخذت منها ما لا يحق لك، وأنت لم تقصد استغلالها وليس في نيتك تركها، ولكنك ضعيف أمامها لأنك تحبها، ولا تريد لما حصل أن يتكرر ثانية. لذلك فالحل الوحيد أن تمتنع عن رؤيتها والاتصال بها بأي شكل من الأشكال. لا أقول لك افطم نفسك عن حبها، فالفطام عن الحب لا يعلم آلامه إلا من جربها، خاصة بعد أن حصل بينكما ما يحصل بين الزوجين، ولكن افطم عينيك عن رؤيتها وأذنيك عن سماع صوتها ورجليك أن تمشي إليها ويديك أن تلمسها؛ فهذه الجوارح هي أساسا خدم للقلب، ولكنها في نفس الوقت تؤثر به كما لو أنها السيد وليست الخدم؛ فالعلاقة بين القلب والجوارح علاقة مؤثرة ومتأثرة، فإذا ضعف القلب ضعفت، و"حبك الشيء يعمي ويصمّ" كما قال من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، فاجعل عقلك قائدا لقلبك، واجعل هواك تابعا لعقلك، فمن اتبع الهوى ضل وخسر. وهنا أكتب لك ما قاله ابن القيم رحمه الله لتتذكره كل حين: (خلق الله الملائكة عقولا بلا شهوات، وخلق الله البهائم شهوات بلا عقول، وخلق الإنسان عقلا وشهوة، فمن غلب عقله على شهوته فهو مع الملائكة، ومن غلبت شهوته على عقله فهو كالبهائم). كذلك فإن ابتعادك عنها إنما هو ابتعاد عن مصدر الفتنة أو عن مصدر نيران الحب الحارقة، فبذلك تقطع الطريق على الهوى والشيطان. وما أصدق تلك الأعرابية التي وصفت الحب فقالت: (جل والله أن يخفى، وخفي عن أن يرى، فهو كالنار في أحجارها، إن حركته أورى – أي اشتعل – وإن تركته توارى). فنار الحب لا تشتعل إلا عندما تحركها الحواس أو الخيالات، فإذا أوقدتها فما الذي يطفئها؟ وما الذي يحول بينك وبين الوقوع في الحرام وأنت ما زلت تحوم حول الحمى؟ هل تريد أن تسقط في محارم الله مرة أخرى؟ من ذا الذي يعصمك من الله عندها إذا زلّت قدمك وساقتك نفسك إلى سخط الله وغضبه؟ اعلم يا بني أن الزنى سبب من أسباب انقطاع الرزق وحلول الفقر وانتشار البلاء لقوله تعالى: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء)، ولقول أبي بكر رضي الله عنه: (لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله ببلاء). أنت جائع فهل يستطيع الجائع صبرا عن الطعام الذي يحبه ويشتهيه؟ بالطبع لا يصبره إلا الصوم، وحكمة الصوم هي التقوى؛ فالتقي يعرف أن الله مطّلع عليه مراقب له فيمتنع عن الطعام، لكنه يعلم أنه ما إن تأتي ساعة الغروب إلا ويكون له فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة بلقاء ربه.. فهل تعرف متى تفطر على هذه الحبيبة حلالا زلالا؟ طبعا لقد كسرت صومك وخالفت التقوى عندما أتيتها.. فهل وجدت طعم الصوم أحلى على نفسك أم طعم الفطر المحرم؟. لن أذكرك بالآيات القرآنية الواردة في التوبة فأنت والحمد لله تقرأ القرآن وتتأثر، إنما يجب أن تعلم أن توبتك من الذنب لن تكون صادقة إلا إذا لم تعد إليه مرة أخرى، وما دام سبب الذنب موجودا أمامك وقريبا منك فلن تستطيع منع نفسك من الانغماس في اللذة المحرمة؛ لذلك اقطع علاقتك بها، وهذا له فائدة من وجه آخر أن يتبين لك صدقها في حبك وأنها مستعدة لانتظارك حتى تتحسن ظروفك. والدليل الوحيد على الحب هو موافقة المحبوب في رضا الله، وقد قيل إن المحب لمن يحب مطيع، فإن وافقتك على قطع العلاقة ماديا وجسديا مع بقائها روحيا وقلبيا فهي الفتاة التي تستحق أن تأخذ من تفكيرك مساحة تدفعك إلى طَرق أبواب الرزق والرضا بأي عمل ما دام حلالا حتى تبدأ بتأمين نفقات الزواج والسكن ريثما يتحقق لك العمل الأفضل. وإن رفضت وأصرت على بقائكما متواصلين بأي شكل حتى لو كان بالهاتف، فهذا ما يجب ألا تقبله أنت؛ لأن معناه أن هذه الفتاة لا تعرف قيمة نفسها فأنت تريد أن تحافظ عليها وهي غير عابئة بالنتائج، ويصدق فيها قول الشاعر: وأسألها الحلال وتدعو قلبي **** إلى ما لا أريد من الحرام كداعي آل فرعون إليه **** وهم يدعونه نحو الآثام فظل منعما في الخلد يسعى **** وظلوا في الجحيم وفي السقام لا يفوتني أن أنصحك بأن تطور نفسك وإمكاناتك لتجد عملا مرضيا؛ فأنت تقول إنك درست سنة واحدة في معهد كمبيوتر، لكن أسلوب كتابتك يدل على أنك بحاجة إلى علم أكثر وثقافة أوسع سواء في الكمبيوتر أو غيره، لذلك قبل أن نضع اللوم على المجتمع علينا أن نبحث عن نقاط ضعفنا ونتغلب عليها، والشخصية لها أهمية كبيرة في قبول الناس لك في أي وظيفة وفي أي مكان. ويبدو من أسلوبك شيء من شخصيتك التي تدل على أنك عاطفي بالدرجة الأولى، ليس فقط لأنك ذكرت لنا حبك لهذه الفتاة، بل لأنك تقول بأنك كنت تخاف عليها كأمها، وهذه الجملة تشرح لماذا استطعت أن تبقى صامدا رغم أنها أخبرتك سابقا بحبها لصديقك، فالخلل هنا ليس في العاطفة بحد ذاتها لكن بالغلو فيها. والسؤال الذي يراودني منذ البداية لا بد لي من طرحه الآن: هل تعتقد أن هذه الفتاة تحبك كما تحبها فعلا، أم أنها مستعدة للوقوع في حب أي أحد ما دام يعني لها أملا بارقا في الزواج؟! هذا السؤال يجعلني أعتقد جازمة أن بُعدك عنها سيفيدك في أن تتأكد من حبها وإخلاصها أكثر، وكذلك فيما إذا كانت مقتنعة بالحجاب أم أنها ارتدته لأجل أن ترضيك، وبالتالي يسهل عليها إمساكك بحيث لا تفلت منها الفرصة الذهبية التي هي أنت رغم ظروفك السيئة، ولعل خيالها جمح بها فصوّر لها بأنها إذا منحتك نفسها بهذا الشكل أنها ستربطك بها بحيث لا يمكنك الإفلات منها أبدا! إذن لا بد أن تسأل نفسك هذا السؤال: هل ما يدفعها إلى الرغبة بالزواج منك هو حبها فعلا أم أن هذا الحلم يعني لها التخلص من ظروفها السيئة وكونها يتيمة الأبوين وتعيش مع إخوتها؟! كل هذا يستدعيك أن تفتح عينيك جيدا وتستخدم عقلك كاملا بدون أن يكون مغيبا بخمر الحب والهوى، ولا يعني قولي لك بأنك أخطأت معها أنها لا تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية عن هذا الخطأ، فهي في عمرك وليست صغيرة، وقد سبق أن بينتُ بأن الفتاة هي التي تغري الشاب أكثر مما يغريها وهذا ثابت من الناحية النفسية، ولا مجال لشرحه هنا، ويكفي أن الآية الكريمة التي فيها حد الزنى بدأت بالصفة المؤنثة (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منها مائة جلدة)، بينما كل آيات القرآن الأخرى تبدأ بالصفة المذكرة كما في حد السرقة: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله). إذن أنصحك بأن تبتعد عنها كي لا تقع في الخطيئة من جهة وكي تتعرف عليها أكثر من جهة أخرى، وقد تجد عبارتي "تبتعد عنها" و"تتعرف عليها" متناقضتين، ولكنهما ليستا كذلك إذا فهمت العبرة من هذه الخاتمة: سألني ابني عندما كان عمره ثماني سنوات فقال: ماما.. لماذا نرى الأرض مسطحة ونحن نعيش عليها، ولا نراها كروية إلا إذا ابتعدنا عنها؟ شرحت له قانون المطابقة في العين، ثم قلت له: أنت لا ترى الأشياء على حقيقتها إلا إذا ابتعدت عنها. ولم أكن أعلم أنني نطقت بحكمة إلا عندما علمتني الحياة أن كلمة الأشياء في عبارتي يمكن أن تستبدل أحيانا بكلمة أشخاص، ومع ذلك تبقى عبارتي صحيحة!