موقع منهج حياة

تحولات الليل و النهار


182 مشاهدات

تحولات الليل و النهار

كان هذا هو اليوم الأخير فى التأبيدة التى قضى فيها السجين عشرين سنة من عمره وراء القضبان و هو يعد الأيام يوماً بعد يوم انتظاراً لتلك اللحظة التى يرى فيها النور . وقد دخل إبراهيم السجن فى جريمة قتل .. ويذكر إبراهيم ما حدث دقيقة بدقيقة وكأنما هناك شريط سينمائى ناطق مجسم بالألوان يدور فى رأسه ولا يكف عن الدوران . يذكر ما حدث حينما عاد إلى بيته فى تلك الليلة من يناير مبكراً على غير عادة .. وو قف يقرع الباب .. لم تأت زوجته مهرولة كعادتها لتفتح وإنما سمع حركة مضطربة خلف الباب وسمع أقداماً تجرى و لم يفتح احد .. وعاد يقرع الباب وقد تحرك شك قاتل فى صدره ... وعادت الأقدام تجرى فى اضطراب .. وسمع لغطاً .. ثم أصوات أشياء تقع على الأرض وزجاجا ً ينكسر ونوافذ تصطفق .. وحمل على الباب بكل قوته ودفعه دفعة هائلة فانفتح وقفز إلى الداخل ليرى زوجته واقفة مذعورة بفستان على اللحم وشبح رجل يهرب من النافذة .. وترك كل شئ وانطلق يجرى وراء الهارب . ولم يستطع أن يلحق به فقد اندس فى زحام المولد وانقطع أثره و لكنه عرفه وعرف من هو ... و فى اليوم التالى حمل سكيناً تحت جلبابه وذهب إلى محل المكوجى ، وقتل مسعد المكوجى بضربة واحدة من سكينه قطع بها شرايين رقبته ، وحينما حاول صاحب المحل أن يدافع عنه قتله هو الآخر .. ثم تكاثر عليه الناس وانتزعوا السكين من يده وسلموه للبوليس ... ومن ذلك التاريخ وهو ملقى فى السجن ، وحكم عليه القاضى بالمؤبد . ومضت عليه عشرون سنة كأنها عشرون قرناً و هو يعض على نواجذه من الغيظ لأنه دخل الزنزانة قيل أن يقتل زينب . كان فى عزمه أن يقتل الإثنين ، وقد بدأ بالرجل و فى نيته أن ينثنى مسرعاً ليقتل المرأة و يستريح .. و لكن الحوادث التى تلاحقت و قتله لرجلين ثم تكاثر الناس ثم اعتقاله ، غير مجرى الأمور وأعطى المرأة عشرين سنة من العمر و حكم عليه بعشرين سنة من الكظم و الغيظ قضاها لا يفكر إلا فى شئ إلا لحظة يحز على رقبتها بسكينه . زينب التى عرف فى حضنها اللذة و السكن و الراحة .. و التى أعطاها رزقه وعرقه وشبابه .. خانته . كم بات يحلم بأن يقطع لسانها الذى كان يقول له بحبك يا إبراهيم .. وكم راح يهذى بأنه يغمس السكين فى قلبها الذى كان يخفق فى حضن قلبه . وكان يراها دائماً فى خياله ، جميلة طرية ريانة ، كأنها ثمرة يانعة فيها رائحة الحقل . وكان يراها دائماً فى حضن الرجل الآخر تقبله وتوشوشه كما كانت تقبله وتوشوشه وكان يسمع غنج صوتها فى ظلام زنزانته فيفور الدم و يغلى فى شرايينه . وكان يسمع النبض يدق فى دماغه .. و لنه عاش يكظم و يكتم فى انتظار اللحظة التى يخرج فيها إلى النور . و حينما جاء السجان و فتح له الباب و قال له .. مبروك يا إبراهيم إفراج .. خرج كالريح .. خرج كما يخرج الغضب من فم الغضبان ، وكان أول شئ عمله أن توجه إلى بيته و السكين تحت جلبابه . وكان باب البيت مفتوحاً ، اسرع داخلاً . وكانت المرأة راقدة تسعل ، وتسمر فى مكانه حينما أطل فى وجهها .. وشعر بدمائه تبرد .. ثم تتثلج وتجمدت مشاعره وأحس بجنونه يتبخر من رأسه .. ثم أحس برأسه ذاته يتبخر . لقد رأى إمرأة أخرى تماماً غير تلك التى كان يحلم بقتله فى زنزانته . رأى إمرأة عجوز عجفاء سقطت أسنانها وانحنى هيكلها وتجعدت بشرتها .. وذهبت النضارة وخبا الجمال .. وجف العود الريان .. وتيبست الأطراف .. لم يبق شيئاً يقتله أو يقتل الناس أنفسهم من أجله . و خمدت الغيرة فى قلب الرجل فجأة كأنما هبت عليها ريح جليدية .. وحل محلها شعور غريب بالدهشة والذهول والإشفاق . ولم يدر الجل ماذا قال لإمرأته ، فقد راح يقول أى كلام ثم ما لبث أن تسلل خارجاً وقد أصبح رجلاً آخر غير الذى دخل السجن من عشرين عاماً وكما تغير الرجل فجأة تغيرت الدنيا أيضاً فى عينيه فجأة وراح يكتشفا كأنه مولود جديد يحبو ويتعرف على الدنيا لأول مرة . حينما جلس يشرب الشاى فى القهوة على بأن زملائه السباكين قد هاجروا فى العمل فى الخليج و السعودية و الكويت . و قال له القهوجى:إن السباك يعمل الآن بمرتب شهرى خمسة آلاف ريال فى السعودية أى ألف جنيه شهرياً..أما صغار العمال الذين أثروا البقاء فى مصر فإن الواحد منهم يكسب من السباكة مائة و خمسين جنيه فى الشهر..وإن السباك مطلوب فى كل مكان وإن الذى يعرف كيف يصلح حنفية يسمى نفسه الباشمهندس و يركب عربة ملاكى..وسرح إبراهيم بعينين ذاهلتين . كان كل شئ يتغير ويتبدل وهو رابض كالتمثال فى زنزانته يمضغ حقداً أسود لا يريد أن يزول .. المرأة أصبحت غير المرأة ،، والرجل غير الرجل،،والصنعة غير الصنعة،،و البلد غير البلد . بينما هو تجمد كتمثال من حجر صوان يجتر عذاباً لا ينتهى . يالها من لحظة تافهة تلك التى توقف عندها وكبل نفسه بأغلالها عشرين عاماً .. كيف يحدث أن يقتل الناس بعضهم بعضاً بأمور بمثل تلك التفاهة؟ لقد قتل رجلين من أجل زينب .. ومن أجل حبه لزينب .. ومن أجل غيرته على زينب .. فأين زينب الآن ؟ وأين حبه لزينب ؟وأين شهوته لزينب ؟ وأين غيرته على زينب ؟ لقد تبخرت زينب كأنما كانت وهماً و لفت شيئاً مثل رماد المدفأة و تبخر حبه لزينب ما تتبخر الأحلام وتبخرت شهوته كما يتبخر مستنقع فى يوم صيف وخمدت غيرته كما تخمد شعلة أكلت نفسها يالها من امور تافهة يتقاتل من أجلها الناس . كم تبدو تلك الأحداث الهائلة و اللحظات الرهيبة المفعمة بالغضب .. كم تبدو له الآن على البعد أحداثاً صغيرة . أما كان أولى به أن يطلقها وأن يذهب كل منهما لحاله وأن يجرب كل منهما حظه من جديد دون أن تراق كل تلك الماء و لو أنه بدأ حياة جديدة فى تلك الظروف من الرخاء لتزوج من هى أجمل من زينب وأرق من زينب وأوفى من زينب ولكانت عنده عربة ولربما هاجر مع الذين هاجروا إلى السعودية و الخليج واقتنوا الثروات وذاق لذة الترحال و التنقل والأسفار بدلاً من ضياع العمر فى الزنزانة وذل المؤبد. ياله من أمر تافه ذلك الذى عشت أطحنه تحت أضراسى عشرين عاماً .. ودلق إبراهيم بقية فنجان القهوة فى جوفه وقام ليتوضأ على صوت الآذان وقد شعر أنه أصبح خفيفاً مجنحاً يكاد يطير مع كل خطوة . و مضى إلى المسجد ليصلى .. وكأنه رجل آخر غير ذلك الذى عرفه وعاشره ستين عاماً . كيف يحدث فى لحظة أن يولد العقل من الجنون كما يولد النهار من الليل ؟ وهل يحتاج مثل ذلك الميلاد ان يدفع الإنسان ذلك الثمن الباهظ من زهرة العمر ؟