موقع منهج حياة

بين العادة والفعل القهري


184 مشاهدات

بين العادة والفعل القهري

ابني البكر عُمر، عمره (8 سنوات)، عنده مشكلة وضْع إصبعه والضغط بقوة، بالذات، في وسط رقبته عند فراغ عظم الترقوة أو في سُرته، ويقوم بنزع ثيابه - مهما كان الجو باردًا - ليضع إصبعه في سرته. أحيانًا أشعر بأن هذا سبب لعدم كون الطفل أخذ حقه في الرعاية؛ لأنني رزقت بطفلة بعده حين كان عمره سنة وثلاثة أشهر، لكني أعود وأقول لنفسي: لِمَ لَم تفعل أخته مثله، وقد تلاها مباشرة أخ بينه وبينها نفس فارق العمر تقريبًا عمن يكبرها؟. القصة بدأت معه عندما كان عمره ثلاث سنوات ونصفًا – تقريبًا على ما أذكر، في البداية أحسست أن الطفل يتعرف على هذه الأماكن، وعندما لاحظت أن الموضوع ليس مجرد تعرّف أخذت أروي له قصصًا عن طفل وضع يده في نفس المكان فثقب جسده وخرج الدم، وأخذه أبوه للمشفى، فساعده الطبيب وحذَّره من العودة، فخفَّت الحالة عنده بعض الشيء، وكنت عندما أراه يعود أذكّره بذلك الولد فيرتدع قليلاً ويعود، وفي المساء أعيد القصة، وأقول بأن ذلك الولد عاد وخرج الدم أيضًا، وعاد للمشفى وغضب منه الطبيب ووالده، ثم عاد إلى أن مات، فيتأثر لفترة ويحزن على ذلك الطفل، ولكن للأسف المشكلة استمرت. اتبعت بعدها طريقة أخرى، إذ قمت بوضع نقاط حمراء كبيرة بالقلم على سرته ورقبته وهو نائم، وعندما استيقظ تفاجأت أنا ووالده من هذه النقاط.. وقلنا له: اذهب إلى المرآة وانظر ما فعلت بنفسك!. أرجوك يا ولدي الحبيب لا تعُد لوضع إصبعك حتى لا يصيبك كما أصاب ذلك الطفل، وبالفعل ولله الحمد كان رد فعله إيجابيًّا، وتوقف لفترة جيدة، وبعدها سافرت لزيارة الأهل، ولاحظت في لبنان عودته للحالة بالرغم من أن الجميع كان محتارًا كيف يدلِّلـه هو وإخوته، وكانت أول زيارة لي بعد زواجي، فصرت أقول: ربما تغيرت عليه أشياء جعلته يعود، خاصة أن زوجي لم يكن معنا، وكان عمره حينها أربع سنوات، وبعدها لم تَعُدْ تجدي معه الوسائل القديمة حتى مللت وتركته وشأنه. ونزلت على رأي والده، حيث قال لي: اتركيه وإلا أصبح معقدًا، ومنذ أكثر من سنتين وأنا أنبهه إلى أن هذا العمل لا يتناسب لأن يعمله ولد جميل وهبه الله سبحانه وتعالى صورة جميلة، وهو أيضًا مجتهد وذكي في المدرسة، علما بأنه متوسط النشاط، بعكس إخوته الذين لا يتوقفون عن الكلام والحركة. وفي الفترة الأخيرة عندما وضعته بحضني، ونظرت إليه وقبلته، وقلت له: يا حبيبي ما الذي تجده حين تضع إصبعك في هذه الأماكن.. هل هذا شيء جميل أم أنك ترتاح إن فعلت هذا؟.. قال لي: أنا أحبك وأريد أن أسمع كلامك، لكني لا أستطيع.. يدي تذهب وحدها ورقبتي تنادي يدي!. هذا بالإضافة إلى أن هذه الحالة صارت مصحوبة بحركة بالشفاه كمن يضع بمقدم فمه شيئًا ويمصه، تجعل منظره كالأبْلَه، وهو يدخل إصبعه بقوة في فخذي وكتفي أنا ووالده حين يجلس بقربنا!. وكم يحب أن يندس بنا إلا أننا لا نحتمل شك إصبعه بنا لأنه يؤلمنا. اضطررت للإطالة لأوضح لكم الحالة.. أفيدوني أفادكم الله تعالى. يقول د/عمرو أبو خليل سنبدأ من نهاية القصة وكلمات طفلك البسيطة المعبرة "إني أريد أن أسمع كلامك، لكني لا أستطيع، يدي تذهب وحدها ورقبتي تنادي يدي".. إن طفلك يصف فعلاً قهريًّا يدرك خطأه، ولكنه لا يستطيع المقاومة، ويجد نفسه مقهورًا على فعله رغم أنه يريد أن يسمع كلامك، وهذا هو الاحتمال الأكبر والأقوى. والاحتمال الثاني أن تكون عادة سيئة قد تعود عليها منذ سن أربع سنوات، وتمكَّنت هذه العادة منه، ويحتاج إلى علاج سلوكي للتخلص منها، وتبدو الأساليب السلوكية العادية غير مجدية. في الحالين أو الاحتمالين، الأمر يحتاج إلى مساعدة طبية نفسية من طبيب نفسي يطالع الحالة بنفسه ويقيّمها، فإذا رجح عنده احتمال الوسواس القهري تعامل معه دوائيًّا ونفسيًّا حتى يتخلص الطفل من هذا الوسواس. وإذا كانت الأخرى وَضَع له برنامجًا سلوكيًّا صحيحًا ليس بالقصص المخيفة عن الطفل الذي مزَّق أمعاءه، ولكن باستخدام مبدأ الحفز والثواب والعقاب الذي يكون الطبيب أقدر على تنفيذه معه، حيث يكون وجود شخص غير الأب والأم في التوجيه السلوكي في بعض الحالات المستعصية أفضل في نتائجه، فيكون الطفل أقدر على الاستجابة، حيث لا يأخذ رد الفعل المعاكس ضد والديه. الخلاصة.. أن طفلك يحتاج للمساعدة النفسية حتى يتخلص من معاناته، ولا تترددي في ذلك، حيث إن قرار العرض على الطبيب النفسي يسبب بعض القلق لأولياء الأمور ظنًّا منهم أن العرض على الطبيب النفسي يعني وجود اختلال عقلي في الطفل، وهذا تفكير خاطئ يجب أن يتغير، وأن ندرك أن هناك مشاكل نفسية وسلوكية يكون الطبيب النفسي هو الأقدر عليها، بل إذا كان في البلدة التي تعيشون فيها اختصاصي في نفسية الطفل فسيكون ذلك أفضل وأولى.