موقع منهج حياة

العقدة من الزواج.. ما السبب؟


182 مشاهدات

العقدة من الزواج.. ما السبب؟

المشكلة باختصار هي أني عندي عقدة من الزواج، وخصوصا زواج الصالونات، قد تبدو هذه المشكلة هينة ولكنها ليست كذلك؛ حيث إني أصاب بالحزن والضيق بمجرد ذكر سيرة الزواج أو تقدم أحد لخطبتي؛ فأنا أرفض حتى قبل أن أرى العريس وأصاب بالضيق والاختناق. والمشكلة أن الذين أحس أنهم يحبونني أجد نفسي أنفر منهم، والعكس عندما أعجب بأحد لا أستطيع أن أخبره أصلا. المشكلة أيضا هي أني خجولة جدا جدا ورومانسية جدا جدا، وأريد أن أحب الإنسان قبل أن أتزوجه؛ لأني لا أستطيع أن أتخيل نفسي مع إنسان لا أعرفه ولا أحبه على أمل أني أحبه بعد الزواج. المشكلة أيضا أن علاقتي بأمي ليست جيدة، فعندما أحكي لها عن مشاكلي فهي أحيانا تقابل ذلك بـ"التريقة" والاستهزاء، وأنا كثيرا ما أتعجب من حسن العلاقة بين كثير من الأمهات وبناتهن، أمي تحاول أن تصادقني مؤخرا، ولكن بعد إيه؟ فأنا أخاف أن أحكي لها لأنها تعيرني بعد ذلك أو تحكي لأخواتها، إلا أني صارحتها بمشكلتي، ولكنها لم تتفهمني مطلقا وتتهمني بالغرور، وأنا على العكس لا أتعالى على أحد مطلقا. كثيرا ما كنت أتمنى أن أكون مثل كل البنات كل همي أن أتزوج من رجل غني. أنا أعتقد أن السبب في هذه العقدة الخلافات الشديدة بين أبي وأمي؛ فأنتم لن تتخيلوا إلى أي مدى وصلت هذه الخلافات، إضافة إلى أن أخي وأبي لا يعاملانني كبنت؛ أي ليس هناك رقة في المعاملة؛ فهما يتعاملان بغلظة وأحيانا أمي أيضا. وفي الحقيقة أنا حساسة جدا و"أزعل" بسرعة، على فكرة أنا أيضا انطوائية جدا وخجولة جدا، ولا أستطيع أن أتعامل مع الرجال بشكل جيد، لا أدري إن كان ذلك مهما أم لا؛ فالكثيرون يرون أني جميلة. أرجو الاهتمام بمشكلتي؛ لأنها تؤرقني جدا؛ فأنا أخشى أن يتقدم بي العمر دون أن أتزوج، أو تتزوج كل صديقاتي وأبقى وحيدة. انتهت تقول د حنان طقش أبدأ كلامي بشكرك على ثقتك ، و أشكرك لأنك بسؤالك فتحت لنا بابا لمناقشة موضوع في غاية الأهمية وهو أثر العنف الأسري على الأولاد (الخلافات الشديدة بين الأزواج، وأثر مشاهدة هذه الخلافات على الأولاد، والخلافات الشديدة بين الوالدين والأولاد)، وأدعو الله أن يعيننا على أن ننير دربك ودرب من يعانون مما تعانين منه. احترت من أين أبدأ الحديث، من المشكلة التي تقفين عندها، أم من الأسباب التي أوصلتك حيث تقفين بحيرة!! يحتاج الطفل لينمو إلى الغذاء والحب والأمان، وفقدانه لأي من هذه العناصر يؤثر بشكل كبير على معدل وكيفية هذا النمو. فكما نرى أن الطفل الذي يعاني من سوء التغذية هو أصغر وأضعف جسديا من نظيره الذي يتمتع بتغذية جيدة، نجد كذلك أن الطفل المحروم من الحب ومن الشعور بالأمان يختلف على الصعيد النفسي عن نظيره الذي ينعم بهذه المقومات. ولكن هناك فروقا في كيفية اختلال هذا النمو، فنجد بعضهم يلجأ للعنف والعدوان والتمرد والقسوة كوسيلة للتعبير عن هذا النقص، بينما يلجأ آخرون للانسحاب وعدم الثقة في النفس والآخرون كوسيلة للتعبير عن هذا النقص. ونحن لا نتخيل لأننا نعرف حجم وأشكال وآثار العنف الأسري (الخلافات الشديدة) على الأسرة وعلى قدرتها على القيام بدورها في التربية والرعاية الجسدية والنفسية، ولا نقول إن هناك حياة تخلو من المشكلات أو المنغصات بل يذهب بعض المختصين إلى النظر للخلافات كوسيلة إيجابية باعثة على التغيير، ولكن الضرر كل الضرر يحدث من خلال طرق حل هذه الخلافات، فإذا اتبعت الأسرة أساليب جيدة ومقبولة في حل هذه الخلافات كالمناقشة والحوار المتبادل وتقريب وجهات النظر ودراسة البدائل المتاحة فلن تضرها هذه الخلافات، وإذا اتبعت أساليب خاطئة في حل هذه الخلافات، مثل الصراخ والسباب والضرب والتهديد فلن تحل أي مشكلة بل ستجلب المزيد وستقع في ساقية العنف، وأسميها ساقية لأنها كلما دارت جلبت منه المزيد، ويترك كل شكل من هذه الطرق غير الصحيحة آثار مختلفة فيمن يتعرض لها. وأما أهون الآثار التي يتركها الإيذاء الجسدي (الضرب) فهي لا تتجاوز الكدمات والكسور والجروح في الغالب التي سرعان ما تداويها عملية البناء الجسدي فتشفى بسرعة. ولكن ما يتركه الإيذاء النفسي (السباب والصراخ والتهديد والإهانات المتكررة) فيمن يتعرض له من آثار فهو لا يشفى بسهولة مع مرور الزمن بل قد يزداد تعقيدا مثل ضعف الثقة في النفس وفي الآخرين وفقدان للمهارات الاجتماعية التي هي وسيلة التعامل مع الآخرين في الحياة وانخفاض الدافعية وكراهية التغيير. الخلاف ليس المشكلة، ولكن المشكلة هي الطرق غير الصحيحة في حل الخلاف، نحن نعرف ونستطيع أن نتخيل ما يدور بين والديك عزيزتي من جهة وكيف يؤثر هذا عليكم كأولاد في هذه الأسرة من جهة أخرى، ولكن فقط من يصنع المشكلة هو القادر على حلها لا من يعاني منها، أنت لن تصلحي زواج والديك ولا أسلوبهما في التربية، ولكني أريدك أن تعرفي كيف تحدث هذه المشكلات كي تتجنبيها في حياتك المقبلة مع أولادك بإذن الله. وأعتقد أن الأمور المادية تلعب دورا كبيرا في خلافات أسرتك؛ وهو ما جعلك تظنين أن كل البنات لا ترغب إلا في زوج ثري!!! عزيزتي إن ما تعانيه أنت وأسرتك يحدث بكل تفاصيله في مختلف المستويات التعليمية والاجتماعية والاقتصادية. نعم يرجع جزء من مشكلتك التي تؤرقك إلى الجو العام في أسرتك، ولكن مهلا فأنت قادرة على التغيير في نفسك من خلال زيادة فهمك لما تعانين منه ومن خلال اختيارك لأسلوبك في الحياة. تصفين نفسك بأنك انطوائية وخجولة وحساسة جدا، حسنا فمن المتوقع نتيجة العيش وسط صخب الخلافات المستمرة أن يختار الفرد العيش في الظل والانسحاب، على أمل أن ينجو بنفسه ويتجنب الألم النفسي والجسدي فلا يتعلم طرق التعبير عن ذاته ورغباته، ويميل الإنسان إلى تكرار السلوك الذي يريحه فتكون النتيجة شخصية انطوائية وضعيفة الثقة في نفسها وغيرها، ولكن ليس بعد اليوم بإذن الله، فمن لديها هذه القدرة على وصف مشاعرها لديها من الذكاء ما يمكنها من أن تغير في شخصيتها من خلال زيادة ثقتها بنفسها. وأرجو منك الرجوع إلى بعض الروابط التي تناولت كيف يمكن زيادة الثقة بالنفس من خلال زيادة التوكيدية مثل "بيئة العمل في بلادنا"، ونعني بالتوكيدية قدرة الفرد في التعبير عن نفسه في مختلف الحالات من فرح وغضب في تعامله مع الآخرين دون انتقاص لحقوق الفرد أو الآخرين؛ فهي طريقة إن شئت وسطية بين العدوانية والسلبية كما يأمر ديننا الحنيف، فلا نخجل من أنفسنا أو من أسرنا، وعرضنا لمشكلتك أول خطوة من جانبنا في مساعدتك على تقبل ذاتك دون خجل مما لا داعي للخجل منه. ومما يساعدك على إعادة بناء ثقتك في نفسك أسلوب يسمى "الحديث الإيجابي مع الذات"؛ فأنت لن تصفي نفسك بعد اليوم بصفات مثل الخجل الشديد والانطوائية والحساسية الزائدة؛ فالحساسية حتى في الحالات العضوية هي حالة مرضية، بل ستقولين قد لا أكون الأفضل اجتماعيا، ولكني بكل تأكيد مؤدبة ولطيفة، ولن تقولي أنا حساسة بل ستقولين لنفسك أنا رقيقة كما وُصف الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه رقيق القلب. فكري بنفسك بطريقة إيجابية ومشرقة وسيدهشك كم سيغير هذا من سلوكك ومشاعرك نحو نفسك والآخرين. ولماذا زيادة الثقة بالنفس؟ لأن انخفاض ثقتك في نفسك هو السبب وراء رفضك مقابلة العريس ورفضه قبل مقابلته أحيانا؛ فأنت تخشين التعرض لمزيد من المواقف التي تهز ثقتك بنفسك في حال لم تحوزي الرضا، ولأن ثقتك بنفسك ليست كما يجب تنفرين ممن يبدي إعجابه بك لأنك تشكين في صدقه وجديته. ولكن مع التوكيدية والحديث الإيجابي مع الذات لن تترددي في مقابلة أي أحد كان، وستقولين إن لم أعجبه فليست نهاية العالم، فلا أحد في الواقع يحوز رضا وإعجاب الجميع. ومع زيادة قدرتك في التعبير عن نفسك ستصبحين أكثر قدرة على تبادل الحديث مع أمك ومناقشتها في مواضيع الزواج ومع صديقاتك، وهنا أقول إن من الطبيعي أن تكون صديقاتك فتيات فلا تنسي أننا مجتمعات مسلمة لا تقبل الاختلاط غير الضروري. ما تسمينه زواج الصالونات من أفضل طرق الاختيار فهو يتعامل بعقلانية مطلوبة في قرار مصيري يفضل ألا يترك لحزمة من المشاعر (رغم جمالها) قد تتغير بسرعة وبدون أسباب، فسبحان مقلب القلوب؛ لذا نجد أن العقل معيار أفضل في الاختيار. ومن قال إنه لن يكون هناك عواطف في زواج الصالونات فهي طريقة لائقة يلتقي فيها الشاب والفتاة في جو يشعران فيه بالأمان ويحصلان في الغالب على دعم الأسرتين دون أن يعني هذا مصادرة المشاعر، مقابلتك للشاب بهذه الطريقة هي بداية فقط يمكنك بعدها استغراق ما شئت من الوقت في التفكير والتعرف عليه حتى تشعري بما ترغبين به من الميل القلبي (زواج الصالونات يسمح بدور للعقل وللعاطفة أكثر من غيره). وأختم كلامي معك بموضوع علاقتك بأمك، تعاني بعض البنات والأمهات من صعوبة في التعامل معا، ولكن ينبغي أن نضع في اعتبارنا أن تقديرنا لصحبة الأم لا يأتي من كرم أخلاقنا بل من كلام المصطفى عليه الصلاة والسلام بأن أولى الناس بصحبتك أمك. فالأم رغم ما قد يصدر عنها مما لا تحبين فهي مَنْ حَمَل وسَهِرَ، وقلبها أضيق مساحة تحتوي أكبر وأعجب حب، كلما أنضجتك السنين أدركت أكثر. وفي حال أسرتك التمسي لأمك عذرا بما تعانيه من ضيق وعدم استقرار نتيجة ما يموج في الأسرة من خلافات، تعلمي التسامح مع أمك ومع خبراتك السلبية السابقة وركزي على المستقبل، ولا تقولي تحاول "أن تصاحبني بعد إيه"، وتذكري أن قدرتك على التغيير من أجل التكيف معها ومصادقتها أعلى من قدرتها بكثير بسبب زيادة ما لديك من مصادر ثقافة واطلاع ومرونة يتميز بها الشباب، وراجعي ما كتب د. وائل أبو هندي حول خلاف الأمهات والبنات بعنوان حزب المضطهدات: أمية الأمهات!. وإن لم يعاملك والدك وأخوك برقة ولطف فتذكري أنهما ليسا كل الرجال، ولن يفعل كل الرجال مثلهما، بل ستجدين من بينهم زوجا صالحا يعوضك ما فاتك من حنان ويعينك على دينك بإذن الله. أدعو الله لك بالسكينة والرضا والسعادة.