موقع منهج حياة

اضطراب اجترار الأكل في الطفولة


193 مشاهدات

اضطراب اجترار الأكل في الطفولة

قد تكون مشكلتي مع ابنتي غريبة؛ فهي أصلا ليست ابنتي، وأنا آسفة عندما أقول هذه الكلمة، حتى إنني لا أحب أن أذكر ذلك، ولكني أعتبر هذه المعلومة مهمة؛ فهذه الطفلة هي ابنة أخت زوجي التي توفيت أثناء ولادتها، وهي تعيش معي منذ أن كان عمرها 6 أشهر. مشكلتي معها بدأت منذ سنة تقريبا؛ فهي عندما تضع الطعام في فمها لا تمضغه بل تقوم بمصه أو رضاعته؛ وهو ما أدى إلى تسوس فظيع في أسنانها، وهي الآن ستدخل المدرسة؛ أي بعد أسبوع تقريبا، ولا أدري كيف أتصرف معها، علما أني قد جربت جميع الطرق بلا فائدة تذكر؟ أرجو المشورة والنصيحة؛ لأن الدراسة على الأبواب، وأخاف أن يشمئز منها أحد فيؤثر ذلك على نفسيتها، وشكرا جزيلا، وجزاكم الله خيرا. يقول أ.د وائل ابوهندي الأخت السائلة العزيزة، أهلا وسهلا بك على صفحتنا "معا نربي أبناءنا"، وشكرا على ثقتك، يفهم من إفادتك أن الطفلة اليتيمة التي تعولينها -جزاك الله خيرا- تعاني على أغلب الظن من اضطراب نفسي نسميه اضطراب اجترار الأكل في الطفولة Rumination Disorder. واجترار الأكل قد يكون إراديا أو لا إراديا، لكنه يحدث دون بذل مجهود؛ حيث يقوس المريض ظهره ويمد رقبته للخلف، وقد يسبق ذلك التجشؤ في بعض الحالات، إلا أن الأمر لا يشمل لا الإحساس بالغثيان ولا محاولة التقيؤ، ولا يكون طعم المضغة المسترجعة من المعدة مرًّا ولا حامضا، ويحدث خلال دقائق من تناول الوجبة، ويستمر بعد ذلك لمدة تصل إلى ساعة أو ساعتين، ورغم أن معدلات تكرار الاجترار غير معروفة على وجه الدقة كما أنها تختلف من حالة لأخرى؛ فإنه عادة ما يحدث كل يوم، وربما استمر شهورا أو سنين. ورغم أن الفسيولوجيا المرضية Pathophysiology لاضطراب اجترار الأكل غير معروفٍ إلى اليوم؛ فإن الآلية المفترضة لكيفية حدوثه هي أن انتفاخ المعدة بالطعام يتلوه انقباض في البطن مع ارتخاء في صمام المريء السفلي بما يسمح لمحتويات المعدة بالرجوع إلى الفم ليعاد مضغها وابتلاعها أو تفلها. وما تزال الأسباب الأكيدة غير معروفة بعد، لكن هناك العديد من النظريات التي تتراوح بين من يرجعون الاجترار إلى اختلال المناخ النفسي الاجتماعي، ومن يرجعونه لأسباب بيولوجية بحتة، وأقدم هنا مختصرا سريعا لأهم النظريات المفترضة ذات الصلة بحالة الطفلة موضوع استشارتك مع بيان ما يعضده من معطيات البحث العلمي التي ما تزال محدودة: 1- عدم ملاءمة البيئة النفسية الاجتماعية لمتطلبات الطفل: لعل اختلال علاقة الطفل الوليد بأمه أو المسئول عن رعايته هو أكثر العوامل التي ألقي اللوم عليها في تفسير حدوث الاجترار في الأطفال الرضع؛ فعندما لا تتحقق العلاقة الطبيعية بين الوليد وأمه والتي يفترض فيها وينتظر منها أن تحقق الإشباع النفسي والعاطفي للطفل يلجأ الأخير إلى الاجترار كنوع من محاولة الحصول على الرضا والإشباع من داخل نفسه، وكأنه يسترجع متعة الرضاعة أو استحلاب الطعام. ولعل أهم ما يعضد هذه النظرية أن نتائج محاولات العلاج التي تعتمد على إبدال القائم برعاية الطفل إنما تشير إلى الأهمية القصوى التي يمثلها تلاؤم البيئة المحيطة بالطفل مع متطلباته بما في ذلكَ الحالة النفسية للقائم برعايته وقدرته على التناغم والتبادلية مع الطفل والحفاظ عليها. 2- النظريات القائمة على مفاهيم نظريات التعلم: وتفترض هذه النظريات أن سلوك الاجترار يزيد ويتكرر بسبب تدعيمه، سواء نشأ التدعيم Reinforcement من المتعة التي يجدها المجتر في إعادة المضغ (باعتباره نوعا من استثارة الذات Self-Stimulation)، أم من المتعة التي يجدها الطفل في اهتمامَ المحيطين به بسبب الاجترار وعدولهم عن إهماله، أم قد ينشأ التدعيم من فاعلية الاجترار في تقليل القلق الذي يعانيه الطفل؛ فيجد فائدة في تكراره. وأما ما يجعل السلوكيين يرون في الاجترار ما يرونه في العادة بمعناها السلوكي فهو ظهوره بشكل الفعل الإرادي أحيانا، واستجابته أحيانا لنفس أساليب العلاج السلوكي التي تساعد على التخلص من العادات، من خلال إنقاص ردود الأفعال التي تدعم حدوثها وبقاءها، وكذلك تغير معدلات حدوثه بتناغم مع الكروب البيئية التي يمر بها المريض إضافة إلى استجابته إلى طرق العلاج القائمة على العقاب في أحيان أخرى. ومن الواضح بالطبع أن وفاة الأم البيولوجية للطفلة، والذي كان محاطا بظروف لا نعرفها لعل منها حرمان الطفلة من الرعاية لفترة أطول من اللازم ربما قبل أن تتولي أنت رعايتها، لعل ذلك كان ذا أثر في حدوث الاضطراب، بينما قد يكون اهتمامك أنت المفرط بالطفلة باعتبارها يتيمة قد جعلك تدعمين منها ذلك السلوك دون دراية منك. 3- النظريات القائمة على افتراض اضطراب ما في المعدة أو المريء: وتختلف آراء الباحثين فيما يتعلق بهذا الاحتمال، وذلك رغم أن الارتداد (أو الارتجاعَ) المعدي المريء GastroesophagealReflux كثيرا ما يصاحب اضطراب اجترار الأكل خاصة في بدايته، كما أن الفتق الفرجوي أو الفوهي Hiatus Hernia (اندفاع المعدة إلى القفص الصدري عبر فتحة المريء في الحجاب الحاجز) يصاحب بعض الحالات، كما افترض أن تأخر خروج محتوى المعدة Delayed Gastric Emptying هوَ أحد الأسباب المتهمة. وكذلك افترض بعضهم وجود اتساع في الجزء السفلي من المريء أو اتساع في المعدة، واتهمت العضلات الموجودة في جدار الثلث العلوي من القناة الهضمية بأنها مضطربة الوظيفة بشكل أو بآخر، وكذلك تشنج الفؤاد (صمام المعدة الفؤادي، بين المريء والمعدة) Cardiospasm، وتشنج البواب (صمام المعدة البوابي، بينَ المعدة والاثنا عشر) Pylorospasm، كما افترضَ البعض وجود علاقة بزيادة حموضة محتويات المعدة، كما افترض عكس ذلك أي عدم وجود الحمض في عصارة المعدة Achlorhydria، واتهم بلع الهواء Aerophagy وعدم إتقان المضغ، وحركة اللسان ومص الأصابع أو اليد وغير ذلك، لكن الأبحاث حتى الآن لم تصل إلى نتيجة مؤكدة تؤكد أيا من هذه الافتراضات. وهناك أسباب محتملة أخرى بالطبع، لكننا نحتاج إلى سرعة التوجه بالبنت إلى أقرب متخصص في طب نفس الأطفال إضافة إلى معالج سلوكي يرشحه هو لكم؛ فالعلاج في الاضطرابات النفسية وغيرها يعتمد على معرفة الأسباب إن كانت الأسباب متاحة، وفي الحالات التي تتكون في ذهن الطبيب نظرية عن السبب في حالة بعينها يجب التعامل مع ذلك السبب، ويمكن السير على ثلاثة محاور في علاج حالات اضطراب اجترار الأكل: 1- محور الحالة الجسدية العامة؛ حيث تجب معالجة المضاعفات الناتجة عن اجترار الأكل سواء كانت خوفا أم حرمانا من الطعام أم كانت التهابا في الرئة أو في المريء أم تشنجا في الحنجرة أو في الشعب الهوائية، وكل هذه المضاعفات يمكن أن يصاحب حالات اجترار الأكل ويحتاج إلى العلاج الطبي المناسب. 2- محور العلاج الجراحي في الحالات التي يكون لها سبب عضوي واضح ولا تستجيب للأساليب الأخرى السلوكي، حيث يمنع حدوث الارتجاع المعدي المرييء من خلال إجراء الجراحة. 3- وأما المحور الثالث فهو محور العلاج النفسي: وهذا المحور هو المحور الذي لا مفر من السير فيه لأن اضطراب اجترار الأكل عندما يصل إلى الطبيب طلبا للعلاج عادة ما يكون قد تسببَ في الكثير من الألم والانزعاج للمريض أو للأسرة، وعادة ما تظهر على شكل اضطراب قلقٍ أو اكتئاب أو على الأقل اضطراب تأقلم، سواء في المريض البالغ ذي الذكاء العادي أم في أسرة الطفل أم أسرة المعاق أيا كان سنه؛ أي أن المضاعفات النفسية أمر لا مفر منه، وغالبا ما تستدعي التدخل الطبي النفسي، وأهم جزء من أجزاء العلاج هو العلاج السلوكي الذي يستدعي من المعالج أولا أن يحلل الظروف النفسية والاجتماعية للتصرف أو السلوك المراد تغييره، وهو هنا اجترار الأكل، وعادة ما يجب التفريق بين نوعين من اجترار الأكل من وجهة النظر السلوكية، وهما اجترار الأكل كنوع من سلوكيات استثارة الذات Self Stimulation، أو اجترار الأكل المدعم اجتماعيا Socially Reinforced، ولعل المضغ الممتعَ للطعام المُجْـتَرِّ الذي يحدث بنسبة أعلى في النوع الأول كامتداد لاستثارة الذات هو أهم عامل يساعد في التفريق؛ لأنه عادة ما لا يحدث في النوع الثاني، وإن كان من المهم أن نعرف أن التحول من نوع إلى نوع ممكن؛ بحيث تصبح الأمور أكثر تعقيدا، وما أذكره هنا يمثل مصفوفة الأساليب التي يختار المعالج السلوكي منها ما يناسب عمر وذكاء وحالة مريضه وأسرة مريضه النفسية. إذن عليك بسرعة التحرك وتابعينا بالأخبار.