موقع منهج حياة

ابني يقلدنا ماذا أفعل؟


182 مشاهدات

ابني يقلدنا ماذا أفعل؟

استشارتي تتعلق بولدي الذي يبلغ من العمر 3 أعوام و3 أشهر، وهو طفل ذو ذاكرة قوية شديد الملاحظة للتفاصيل، كثير التقليد حتى في أدق التفاصيل؛ فهو يقلدني حتى في أدق الحركات، وبالتالي فإنني أشعر بالمسئولية مضاعفة عن كل تحركاتي وكلماتي، حتى إنه عندما يخرج من البيت يحب أن يأخذ معه مشابها لكل ما آخذه معين، كالنظارة والجوال والمفاتيح والكمبيوتر المحمول، وكل شيء أملكه يحب أن يملك مثله، أو أن يستخدم الشيء الخاص بي. ولا يقف الحد عند تقليدي فهو يقلد الأطفال من مثل عمره، فعندما يلتقيهم وبعد أن يعود للبيت نحس أنه قد فقد شخصيته وبدأ يتصرف كما كان يتصرف أولئك الأطفال، فيصبح يبكي كما كانوا يبكون ويلعب كما كانوا يلعبون، وبطريقة مختلفة تماما عن طريقته في اللعب أو سلوكه عند البكاء، وتبقى معه هذه "الحالة" إلى أن ينام ومن ثم يستيقظ وقد استعاد شخصيته (ربما لا يكون هذا سلوكه في كل مرة يرى فيها أطفالا لكنه في الأغلب الأعم). ولدي بنت ثانية عمرها سنة و4 أشهر ألاحظ أنها تمشي على خطا أخيها في التقليد؛ فتقليد المشية والحركة والضحكة كل هذا طبيعي بالنسبة لهما.. وهنا لدي سؤالان: 1- هل هذا التقليد شيء طبيعي، أم أنه زائد عن الحدود، وكيف يجب علي التعامل معه؟ وهل تنصحونني بعرضه على مختص في علم نفس النمو أو في تربية الأطفال، أم أن "الحالة" أبسط من ذلك؟. 2- فيما يتعلق بناحية اختلاف الجنس بينه وبين أخته ماذا يجب علي فعله وماذا يجب علي عدم فعله في هذه المرحلة، مثلا هل يتوجب علي منعه من مشاهدة أخته "بدون ملابس" مثلا، وهل أمنعهما من الاستحمام معا، أم أترك الأمور على أريحيتها في هذه السن؟ علما أنه لم يبد حتى الآن أي ملاحظة تتعلق باختلاف أعضائهما أو ما نحو ذلك. وشكرا جزيلا لكم... تقول أ/عزة تهامي الأخ السائل سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، أشكرك على هذا الثناء والدعاء، جعلنا الله أهلا لهما، ومرحبا بك معنا سائلا وزائرا على صفحة معا نربي أبناءنا وبارك الله في ولديك وأعانك على تربيتهما. سأبدأ في الإجابة عن أسئلتك من حيث انتهت رسالتك: وسأقسم سؤالك الأخير عن اختلاف ولديك النوعي لشقين. الشق الأول يتعلق بما يجب مراعاته من الناحية الجنسية في توجيههما والذي بلورته في سؤال محدد، وهو: هل يجب ألا يرى طفلك أخته "بدون ملابس" أم تترك الأمور على طبيعتها في هذه السن؟ والشق الثاني عن كيفية التعامل مع طفليك باعتبارهما مختلفين في النوع. فتعالى لنبدأ بالشق الأول: برغم أن ولدك لم يبد -بعد- أي ملاحظة تتعلق باختلاف الجنس بينه وبين أخته فإن سن ولدك هي سن انتباه الأطفال للفروق الجسدية والجنسية بين الأفراد ولديهم حب استطلاع واكتشاف لأجسادهم هم وأجساد الآخرين؛ ولذا ستجده في بعض الأحيان يتحسس جسده ليعرف طبيعة هذا الجسد كما سيفعل ذلك مع الآخرين، فأقترح ألا تجعله يرى صغيرتك وهي تغير ملابسها مثلا وألا يستحما معا وكذلك الحال بالنسبة لك وللأم، وعليك أن تفعل ذلك بشكل تلقائي طبيعي دون نهر أو زجر، وبطريقة ملؤها الحب والحنان، فيمكن تفهيمه أنه كبر الآن ولا يصح أن يدخل في أي مكان دون استئذان ولا يدخل أثناء تغيير أحد ملابسه ولا يجوز أن يستحم مع أحد، ولا يقال كل هذا دفعة واحدة في جلسة واحدة ولكن في المواقف الطبيعية لكل موقف. أما بالنسبة للرد على الشق الثاني من السؤال الخاص بمراعاة الفروق النوعية بينهما وكيف تتعامل معها في هذه المرحلة فهو: هذه المرحلة (مرحلة الطفولة المبكرة) تتميز بما يسمى بالتنميط الجنسي، وتعريف التنميط الجنسي كما ورد في كتاب رعاية نمو الطفل للدكتور علاء الدين كفافي هو: "تبني الآباء للاتجاهات التي من شأنها أن تنشئ الطفل تنشئة الجنس الذي ينتمي إليه"، وهذا يعني أن طفلك في حاجة إلى أن يبدأ في التعرف على دوره الذي سيلعبه كرجل عندما يكبر، ولا أقصد بهذا أن أتعامل معه على أنه رجل صغير وحينما يسلك سلوك من هم في سنه ألومه أو أعاتبه على أن هذا مسلك لا يجوز للرجال، بالطبع لا، وإنما القصد من ذلك أن يتدرب على كونه صبيا وليس فتاة، وترجمة ذلك في هذه السن بشكل عملي كالتالي: • في أثناء اللعب مثلا: يوجه إلى اللعب التي تبني عضلاته، فمثلا حينما تلعبان معا يمكن أن تتصارعا، وهذا ما لا تلعبه مع الطفلة بالطبع حتى بعد أن تكبر، هذا بالطبع إلى جانب الألعاب المشتركة مثل اللعب بالصلصال وبالألوان وبالصور المقطعة puzzle وغيرها من الألعاب التي يمكن أن يشترك فيها الجنسان. • كما يمكن للأم حينما تحمل شيئا ثقيلا تطلب منه على سبيل المداعبة أن يحمل معها هذه الأشياء لأنه يكبر ويقوى، كما تبدأ في تدريبه على الشراء فتصحبه في المحال لكي يقوم بالتسوق وإعطاء المال للبائع. • وكذلك يشترك مع الأم في رعاية أخته فيقوم أحيانا بمداعبتها واللعب معها وفي أحيان أخرى مناولة الأم بعض أغراض الطفلة كملابسها وطعامها؛ فهذا إلى جانب إشعاره بالمسئولية تجاه أخته -وهي إحدى مهامه كصبي ورجل فيما بعد- فهي تقلل شعوره بالغيرة من أخته الصغيرة، كما يمكن أن تسند له مهمة رعاية الطفلة تحت إشرافها كأن تقول له: انتبه لأختك حتى أجهز لها وجبتها فإذا بكت فداعبها، وهذا تمهيد لإعداده كرجل سيكون راعيا ومسئولا يوما ما عن زوجة وأبناء. • وحينما يكبران لا بد أن يتدرب على أن تقسم المهام المنزلية بينهما فيكون من نصيبه المهام التي تحتاج إلى عضلات ومشقة أكبر، فمثلا يمكن أن يسند إليه مهمة كي الملابس وشراء مستلزمات البيت، وفي أثناء الخروج من البيت يعرف أنه مسئول عن أخته وحمايتها. ولا يعني كل ذلك أن الابنة لا تتعلم ولا تتدرب على هذه المسئوليات ولكن تعلم أن مسئوليتها في المقام الأول للبيت ورعاية أسرتها؛ ولذا فإن اللعب بالعرائس ورعايتها من أهم اللعب التي تستهوي البنات في مرحلة الطفولة، ويجب أن تسير هذه الأمور بطبيعية وسلاسة بحيث لا يضيق أحد الطفلين ذرعا بنوعه والمهام المنوطة به. أما سؤالك عن تقليده إياك في هذه المرحلة فهو أمر طبيعي؛ فهذه المرحلة تتسم أيضا بما يسمى بالتوحد الجنسي؛ فالطفل الذكر يتوحد مع والده ويقلده في كل صغيرة وكبيرة والفتاة تتوحد مع أمها، وهذه الخاصية تجعلنا في غاية الحذر وغاية الانتباه لكل ما نقول ونفعل -كما تفضلت وذكرت في رسالتك- وتجعلنا أمام مسئولية ضخمة ندعو الله أن نكون أهلا لها؛ لأن أطفالنا يلتقطون بالصوت والصورة كل ما نفعله ويحاكونه إما عاجلا أو آجلا عندما يكبرون. وأما تقليده للأطفال الآخرين فهذا الأمر لا يستدعي القلق ولكن يستدعي تعديل هذا السلوك قليلا وسيكون ذلك من خلال القصص؛ فالأطفال في هذه المرحلة مولعون بالحكايات، فيمكنك أنت ووالدة الطفل أن تقصا عليه القصص التي توضح أثر التقليد الأعمى بما يتناسب مع سنه ودون المواعظ المباشرة، مثل قصة الغراب الراقص الذي أعجب بمشية الطاووس فحاول تقليده لكنه لم يفلح فأراد أن يعود لمشيته السابقة لكنه لم يتذكرها فأصبح يسير بطريقة مضحكة فلا هو بالطاووس ولا بالغراب، وغير هذه القصص الكثير. كما يمكنك الاطلاع على العديد من القصص المناسبة لسن أطفالك وأرشح لك أسماء لبعض الكُتاب الذين يكتبون للأطفال، ولكن أقترح أن تقرأها أنت وزوجتك أولا ثم تقرآها لأطفالكما بعد ذلك؛ حتى يتسنى لكما إما تبسيط أو حذف ما تريانه لا يتناسب مع عقل أو طبيعة طفلك. ومن هؤلاء الكتاب: أماني العشماوي، وكامل الكيلاني، ويعقوب الشاروني، وعبد التواب يوسف. أما تقليد أخته له فهذا دأب الأطفال في هذه المرحلة في كل بيت؛ فالطفل الأكبر هو الذي يمثل القدوة بعد ذلك لأخوته؛ ولذا علينا أن نستثمر هذا في طريقة توجيه الصغير من خلال الأخ الأكبر، ولا أعني -على الإطلاق- أننا ننبه الطفل الكبير بأن يسلك سلوكا جيدا لأن أخاه الأصغر يقلده في كل شيء فإن هذا يحزن الأكبر لأنه سيظن أن الوالدين لا يهتمان بسلوكه إلا لكونه أداة لتعليم الأصغر وأنه بالتالي ليس بالشخص الذي يمكن الاهتمام به لذاته. وأخيرا أود أن أحييك على هذا الاهتمام بأبنائك، ولكن أود قبل أن أنهي رسالتي أن أنوه فقط بأهمية تعاون الأبوين في التربية وإشراك الأم في كل ما سبق فلم ألمح الحديث عنها في رسالتك. وإذا أردت المزيد من الاستفادة عن طبيعة المرحلة العمرية التي يمر بها أبناؤك فيمكنك الاطلاع على سمات وخصائص المراحل العمرية المختلفة من خلال كتب علم نفس النمو المتاحة في كل المكتبات. مع دعواتي لكما بالتوفيق، ورجاء بالمتابعة.