موقع منهج حياة

أكره الغربة وأخاف العودة


1019 مشاهدات

أكره الغربة وأخاف العودة

أنا شاب عمري 27 عاما، نشأت في أسرة ذات مستوى اجتماعي ومادي جيد، والحمد لله وبعد تخرجي في كلية الهندسة المدنية عملت في إحدى شركات القطاع العام الكبرى في وطني. وبعد فترة عقدت قراني على فتاة طيبة، وللحصول على تكاليف إتمام الزواج اضطررت لتقديم استقالتي من عملي والسفر لإحدى دول الخليج للعمل بها، وبعد تعب ومشقة وبعد عام ونصف من الغربة عدت وأتممت الزواج والحمد لله، وبعد شهرين من الزواج عدت وحدي إلى الغربة ولم أتمكن من استقدام زوجتي معي؛ نظرا لارتفاع تكاليف المعيشة جدا داخل الدولة التي أعمل بها. لقد أصبحت مشتت الفؤاد والتفكير، ومترددا في اتخاذ القرار.. هل أستقر في هذا البلد أم أعود إلى وطني؟ يوجد أمامي اختياران: الاختيار الأول: أن أستقر في البلد الذي أعمل به، وأستقدم زوجتي حالما تسمح الظروف (وإذا لم أنجح في ذلك خلال عام فسأعود نهائيا إلى بلدي)، ولكن استقراري في بلد الغربة قرار لا أرتاح له للأسباب الآتية: 1- هذا يعني أني سأقضي بقية عمري به؛ لأن من يستمر في الغربة لفترة لا يستطيع أن يرجع ويستقر في وطنه بعد ذلك؛ حيث إنه لا يستطيع أن يرجع ليبدأ من جديد وهو في منتصف حياته العملية؛ حيث تكون فرص العمل المناسبة له منعدمة فيشعر بالغربة في وطنه، ويجد صعوبة في التعامل مع من حوله (وقد رأيت تجارب لأناس حدث معهم هذا الأمر). 2- الغربة لها أثر سيئ عليَّ من الناحية الدينية؛ حيث إني أفتقد الرفقة الصالحة والجو الإيماني، وأفتقد العلم الشرعي (خطب الجمعة والدروس...)، ولم أعد أرتبط بأحوال الأمة وهمومها كما سبق، كما أن غض البصر هنا أصعب، والحرام أسهل. 3- يقل الارتباط بالأسرة (الأب والأم والإخوة...)، ولا يستطيع الإنسان أن يرد ولو بعض الجميل لأبويه وهو بعيد عنهما. 4- يفتقد الإنسان في غربته روح الحياة الموجودة بوطنه، ويصبح ماديا أكثر وأكثر (لقد لاحظت هذا على نفسي، فضلا عن أغلب من قابلتهم هنا؛ حيث كل شيء يحسب بالمادة). 5- ينشأ الأطفال بعيدا عن وطنهم وأهلهم، وبعد أن يبلغوا المرحلة الجامعية يعودون وحدهم أو مع الأم، ويتركون الأب في الغربة، وأنتم تعلمون بقية القصة. 6- من الناحية المادية لا أجد الموضوع مجديا؛ حيث ارتفاع تكاليف الحياة هنا بصورة كبيرة جدا، وقد نشرتم موضوعا منذ فترة حول "وهم الثراء في الخليج". الاختيار الثاني: أن أعود وأستقر في وطني.. لكنكم تعلمون قلة فرص العمل وسوء الأحوال الاقتصادية هذه الأيام، وصعوبة أحوال المعيشة؛ حيث الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ. حقيقة لا أعرف ماذا أفعل، ولكن ما خاب من استشار، فأشيروا عليَّ، وجزاكم الله خيرا، وعذرا على الإطالة. انتهت تقول د نجلاء محفوظ من حقك علينا الإشادة بذكائك وتحديدك الدقيق لأضرار الغربة من كافة الجوانب، والتي بالغت -مع الأسف- في الإحساس بها وتعميقها بداخلك حتى تناسيت مزاياها العديدة، لعل منها التعرف على شعوب أخرى؛ ففي السفر فوائد كثيرة، مثل توافر بعض أوقات الفراغ التي يمكن شغلها فيما يفيد؛ كاستكمال الدراسات العليا ولو عن طريق المراسلة، وحفظ القرآن الكريم أو تنمية الثقافة سواء الدينية أو العامة عن طريق القراءة في الكتب أو عبر الإنترنت. فضلا عن اكتساب المزيد من النضج في الشخصية؛ لزيادة الاعتماد على النفس، ولتعلم فن إجادة التعامل مع الآخرين ممن يختلفون عنا في العادات والتقاليد بروح سمحة محبة لا تقارن بيننا وبينهم، ولا تجعل الأفضلية لجنسية على أخرى؛ بل تسعى بذكاء إلى اكتساب أفضل ما لديهم وضمه إلى أحسن ما لدينا لتحسين فرصنا في الفوز بحياة أجمل، وهذا ما يفعله أصحاب الأفق الواسع، ونتمنى أن نكون وإياك منهم. واسمح لنا أن نقول لك: إن شدة معاناتك من الغربة ترجع إلى استغراقك الزائد في التفكير في مضارها، بالإضافة إلى نشأتك المادية الجيدة والتي لا تجعلك (ترضى) بمزايا الغربة المادية، وتراها أقل مما ينبغي؛ فالحقيقة أن دخلك في الغربة، مهما كان متواضعا، ومهما كانت نفقات المعيشة غالية، فسيكون أفضل مما سيكون عليه الحال في بلدك ولو حاليا، وإلا لما قبلت بالغربة. ونقول لك ذلك لتهون على نفسك كراهيتك للغربة، ولتربت على نفسك قائلا: حسنا.. إن في الغربة بعض المكاسب التي تجعلني أهنأ بها، وليساعدني ذلك على تحمل باقي الأضرار. ونود أن تشاركنا التفكير في مضار العربة كما ذكرتها.. فليس صحيحا أنك ستقضي بقية عمرك فيها، وأن من يستمر في الغربة لفترة لن يستطيع العودة والاستقرار في وطنه؛ فهناك العديد من رجال الأعمال الذين عملوا في الخارج لبعض الوقت وصنعوا ثروة متوسطة عن طريق تخفيض نفقاتهم قدر المستطاع (ونحن هنا لا ندعو إلى التقتير على النفس بالطبع)، ثم تعلموا بعض الخبرات العملية في أثناء الغربة واستطاعوا الحصول على فرص جيدة مع شركات كبرى أو مع أصحاب الأعمال للمشاركة أو ما شابه ذلك، أو أن يكونوا وكلاء لهم في بلادهم، وهناك من عاد إلى وطنه وقام بعمل مشروع خاص به بعد دراسة جدوى متقنة، وتوكل على الخالق وصنع نجاحا متميزا، وقصص النجاح كثيرة في هذا المجال. ولا تنس أبدا أن الإنسان يستطيع دائما أن يبدأ نجاحا في الحياة في أي عمر، بشرط أن يحافظ على تجديد قواه النفسية والعقلية دائما، وألا يسمح لهما بالتراجع أبدا. وتذكر أن هناك العديد من رجال الأعمال ومن الناجحين في شتى المجالات ممن بدءوا حياتهم العملية في منتصف العمر؛ مثل من أحيلوا إلى المعاش المبكر في مجال الجيش أو الشرطة أو أي مجال آخر، ولم يتعاملوا مع الأمر على أنه نهاية الحياة، ولم يكتفوا بالحصول على المعاش أو مكافأة نهاية الخدمة؛ بل جعلوا من هذه المكافأة بداية لحياة عملية ناجحة، واستفادوا من خبراتهم العملية والحياتية السابقة، وأمدهم هذا بطاقات هائلة تحفزهم على النجاح بأسرع وأفضل مما يحققه الشباب في بداية الحياة. ومن الجميل أن تنتبه إلى أن بعض المغتربين يجدون صعوبة في التعامل مع وطنهم؛ وذلك لأنهم اغتربوا (نفسيا) عن الوطن ولم يتواصلوا مع أخباره، وقطعوا صلتهم بالأهل والأصدقاء، وقصروها على فترة الإجازة السنوية، وبعضهم لا يذهب إلى الوطن إلا كل عدة سنوات. وعليك أن تحذر ذلك بأن تتابع أخبار الوطن؛ وذلك عبر الفضائيات، وأن تتواصل دائما مع الأهل والأصحاب عبر الإنترنت (لقلة التكاليف)، ويمكنك إجراء المحادثات من خلاله بالصوت والصورة أيضا، وأن "تستوعب" التغييرات التي تحدث في الوطن أولا فأولا، وتنتبه لها حتى لا تفاجأ بتراكم التغيرات؛ وهو ما يصعب التعامل بعد العودة. كما أن بعض المغتربين يجدون صعوبة في التعامل مع بني وطنهم؛ لشعورهم بأن الجميع يطمعون في ثرواتهم ويحسدونهم، وقد يكون هذا به بعض الصحة، ولكن الأذكياء هم من يعلمون بأن التعميم يضر من يفكر فيه، وأن ضعاف النفوس سيطمعون في كل الأثرياء سواء أكانوا مغتربين أم لا، ولا يتضايقون منهم بل يحذرونهم ويتجاهلونهم، ولا يحققون لهم مطامعهم، وأيضا لا يشعرونهم بأنهم قد فهموا شيئا، ويسارعون بنسيانهم وطردهم من ذاكرتهم أولا فأولا. أما أثر الغربة عليك من الناحية الدينية فنرى أنك تستطيع احتواءه بسهولة؛ بالبحث عن كل ما تريده في هذه الناحية، ولا شك أنك ستجده؛ فالرفقة الصالحة موجودة في كل زمان ومكان، ويبدو أنك لم توفق في البحث عنها حتى الآن، ويمكنك زيادة حصيلتك الدينية عبر الأشرطة والإنترنت على أن تكون من المصادر الموثوق بها، والمعروف عنها الوسطية والاعتدال. أما صعوبة غض البصر وسهولة الوقوع في الحرام، فإن ذلك لا يعود إلى الغربة، فمن كان الوازع الديني بداخله قويا فسيلتزم بأداء الدين في كل مكان، فإننا لا نتجنب فعل الحرام خوفا من أن يفتضح أمرنا بين من يعرفوننا في أوطاننا، ولكن خوفا من الخالق عز وجل وحبا في طاعته سبحانه وتعالى، ولا بد من تذكر ذلك. ويبدو أنك تشعر بداخلك بضغط نفسي لابتعادك عن زوجتك عاطفيا وجسديا بعد شهرين فقط من الزواج، وعليك مكالمتها يوميا عبر الإنترنت أو من خلال الشات، والسعي لإقلال نفقاتك لأقصى ما يمكنك دون الشعور بالمعانة لاستقدامها في أقرب فرصة، مع البحث عن فرصة عمل إضافية إن أمكن ذلك، ولها إن استطعت. وعليك أن توازن -بدقة وجدية- بين مدى احتياجك إلى استقدام زوجتك ومدى قدرتك على تحمل الابتعاد، ونرى أنك إن أحضرتها ونعمت بالراحة النفسية والعاطفية معها، وزادت بذلك سنوات الغربة بعض الشيء فلا ضرر في ذلك، خاصة أنك ترسل لزوجتك مصاريفها في الوطن، فمن الأفضل أن تستقدمها معك وألا تطيل فترة ابتعادك عنها؛ حتى لا يعتاد كل منكما الحياة بعيدا عن الآخر، وكي لا تتحول بمضي الوقت إلى مجرد ممول وليس زوجا وصديقا وحبيبا. ويمكنك التواصل أسريا مع أسرتك بصورة منتظمة، وثق أن والديك لا يريدان منك رد الجميل بقدر ما يسعدهما نجاحك في عملك وتميزك فيه، واطمئنانهما على استقرارك المادي، وفي العمر متسع -بإذن الله- لبرهما نفسيا وماديا، وما دامت لديك هذه النية فسيمنحك الخالق عز وجل الفرص المتعددة لتحقيقها، فلا تتوقف عند هذه النقطة طويلا حتى لا تؤذي نفسك. ونرى أنه يمكنك البقاء في الغربة والتواصل مع الأهل والأسرة حتى تتمكن من تحقيق طموحاتك المادية -دون تهويل أو مبالغة- وأن تعود مع أسرتك وأولادك للوطن ولا تتركهم أبدا، وأن ترشِّد نفقاتك قدر المستطاع، وأن تسعد بأي شيء تدخره وأن تدعو الخالق بأن يبارك لك فيه؛ فهذا أفضل من العودة إلى وطنك الذي يعاني من أوضاع سيئة كما ذكرت. فلتتحمل الغربة بنفس راضية وشاكرة للفرصة التي يتمناها الكثيرون ولا يجدونها، وتذكر القول بأن "من كان في نعمة ولم يشكر خرج منها ولم يشعر"، وبأن الشيطان يمني الإنسان بالمفقود لينسيه شكر الموجود، واهنأ بحياتك واستقدم زوجتك، وتصالح مع الغربة تفز بمزاياها و(تسحق) مضارها.. وفقك الله.