موقع منهج حياة

أعيثوني.. ابنة العاشرة تحب!


230 مشاهدات

أعيثوني.. ابنة العاشرة تحب!

بنتي هي الوسطى بين بنتين وهي طيبة جدا ومتفوقة في الدراسة وهي في الصف الرابع الابتدائي وعلاقتها بأختها الكبرى جيدة ولكن بالأخت الصغرى دائما يوجد مشاكل بينهما، وهي عصبية جدا برغم أنها طيبة. منذ أسبوع علمت من أختها الصغرى أنها تحب زميلا لها في الفصل وكانت كتبت ذلك في ورقة ووجدتها أختها الصغيرة وقالت لي، وحينما سألتها على الورقة مزقتها، فجمعتها وقرأت ما بها ولكنها أنكرت ذلك وقالت إن أختها الصغيرة هي التي أجبرتها على كتابة هذا الكلام. لمتها بشدة وقلت لها يجب ألا نحب غير إخوتنا والأب والأم وربنا، ولم أدر كيف أتصرف معها خصوصا أنها مهتمة بنفسها كثيرا وبمظهرها وتمشط شعرها باستمرار وهي لم تبلغ بعد وتذهب إلى دار لحفظ القرآن مع أخواتها ولكن بمجرد أن تخرج من الدار تخلع الإسدال (زي الدار المخصص)... ماذا أفعل معها؟ بارك الله فيكم وجزاكم خيرا. يقول أ. عبدالسلام الأحمر بداية أشكر السيدة نهى على طرحها مشكلة ابنتها التي -وإن كانت حالة نادرة- تقع بشكل متزايد في السنوات الأخيرة، وإذا لم يتفطن لها الوالدان فقد تتطور إلى ما لا تحمد عقباه. فما حقيقة هذه الظاهرة؟ من المعلوم أن الحب من أهم أفعال القلب، ويتعلمه الطفل تدريجيا في أحضان أمه ومع والده وإخوته ثم الأقارب والأصدقاء الذين يشاركونه اللعب والدراسة، فنجد الأطفال أكثر ميلا وانسجاما مع نظرائهم الذين من نفس الجنس والسن والحي والمدرسة في العموم، وقد تميل طفلة إلى طفل أو العكس إما لوجود قواسم مشتركة، أو لمجرد الإعجاب بالمظهر، أو لخصال وأوصاف أخرى بارزة. ومن المهم أن تفهم أن هذا الميل يبدأ طبيعيا وبريئا، ويمر به كل الناس في هذه السن، فنحن لا نملك أن نمنع الطفل من حب ما هو جميل وجذاب، بل هذا مطلوب في معظم الأحوال، لكن الميل الفطري قد يخرج عن نطاق البراءة الطفولية في ظل مؤثرات بيئية معينة تصرفه عن كونه مجرد استحسان، إلى أن يصبح تعلقا واندماجا نفسيا وانجذابا جنسيا. فمشاهد التلفزة وبعض برامج رسوم الأطفال، وما يجري من ممارسات بين الجنسين من مختلف الأعمار بما فيهم أطفال ومراهقين في الشارع وفي المدرسة على وجه الخصوص، كتبادل الرسائل الغرامية والتباهي بالدخول في تجارب عاطفية، كل ذلك قد يدفع للمحاكاة والمنافسة وخوض تجربة غير مأمونة. كيف تكون الوقاية إذن من هذا التورط؟ هناك مسئولية الأسرة ومسئولية المدرسة: فأما الأسرة فعليها أن تنفتح على أبنائها، وتعيش معهم مختلف الأطوار التي يمرون بها، وتوعيهم بما تتطلبه كل فترة من يقظة وحزم، وتعدهم لمواجهة كل مرحلة بما يناسبها، قبل الوقوع في المشكل واستعصاء الحل. وفي هذا الصدد على الوالدين أن يولوا التربية الجنسية أهمية كبيرة لما لها من دور في تحصين أبنائهم ضد الفاحشة وصيانتهم عن سوء الفهم وسوء السلوك. والتربية الجنسية هي تعهد للطفل منذ السنوات الأولى، حيث يتدرج معه في تشكيل تصوره لعلاقة الذكر بالأنثى على أساس الهدي الإسلامي وانتهاز كل فرصة سانحة لتقديم المعلومات الصحيحة عن سنة التزاوج والتوالد في الطبيعة ولدى الإنسان، ولا يكفي حثه على الصلاة وقراءة القرآن والتخلق بالأخلاق الحسنة ومصاحبة الأخيار، والتهرب من أي حديث عن حدود العلاقة بين الجنسين في شتى دوائرها، بحسب ما يحتاجه الطفل ويستوعبه إدراكه، قبل أن يتدخل طرف غريب فيقوم بتعليمه هذه الأمور، بصورة منحرفة وربما مع ممارسة تطبيقية انتهازية ومفسدة. وحسبي في هذه العجالة التنبيه على ضرورة إعطاء الأولاد تربية جنسية رصينة، تجنبهم مخاطر عديدة، وتؤهلهم ليكونوا أزواجا صالحين وزوجات صالحات وتجعلهم يقطعون مرحلة الشباب في عفاف وأمان من الانحرافات المحدقة. أما مسئولية المدرسة فتشمل الاضطلاع بالتربية الجنسية على وجهها الصحيح الذي يحفظ الأعراض من الفواحش، ويساهم في بناء علاقة بين الجنسين على مبادئ الطهر والفضيلة والسكن والمودة، ويحمي الصحة الجسمية والنفسية من لوثات الفاحشة والفساد. أما بعد.. فبماذا ننصح السيدة نهى؟ أقول لك سيدتي: لقد انطلقت في الاتجاه الصحيح لعلاج ميل ابنتك إلى زميلها في القسم، فعودي معها للموضوع بلباقة وعفوية، وأفهميها أن الحب مطلوب من كل إنسان صغير أو كبير، وأنه سلوك قد يصح فيأجرنا الله عليه، ونسعد به في دنيانا وآخرتنا، وقد ينحرف فنتعرض بسببه لغضب الله، ونشقى بتبعاته في الدنيا والآخرة. فكيف يصح الحب إذن؟ إن الحب الصحيح هو حب الله، وحب أحبابه، وحب من أمرنا بحبهم مثل رسل الله والصالحين من عباده وحب الوالدين والإخوة والأقارب والمعلمين وكافة المسلمين والمستقيمين منهم بشكل أكبر، وحب كل عمل يقربنا لحب الله لنا، لأنه تعالى إذا أحبنا فذلك غاية المنى وقمة الفوز والفلاح، وباب سعادة الدنيا والآخرة.. فعن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان من دعاء داود اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد، قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر داود يحدث عنه قال كان أعبد البشر (رواه الترمذي وقال حديث حسن). وبيني لها أن الحب أنواع، ومن واجبنا أن نضع كل حب في مكانه الصحيح، وإلا وقعنا في ظلم أنفسنا وفتحنا عليها بابا من الزيغ والتعاسة والشقاء وغضب الله، الذي نتطلع من وراء كل أعمالنا إلى أن نقترب منه سبحانه وتعالى، وننال رضاه ويغمرنا بحبه ورحمته وعنايته، ثم اضربي لها مثلا: فالمرأة قد تحب رجلا لأنه أبوها بخلاف حبها لزوجها الذي تتكامل معه جنسيا وتنجب معه أولادها وفلذة كبدها. وفتاة في الفصل قد تحب فتى لأنه جميل في مظهره مجتهد في دراسته حسن في أخلاقه، فتتمنى له المزيد من التألق والنجاح، وقد تهفو نفسها إلى أن يكرمها الله بزوج مثله في المستقبل، أو حتى أن يكون هو نفسه زوجها في قريب الأيام إذا كان ذلك مواتيا، لكن عليها أن توقف حبها عند هذا الحد الذي هو معقول ومقبول وليس فيه شيء يخالف المروءة والأخلاق وأحكام ديننا. فما الشيء الذي يعتبر في الحب انحرافا ومغامرة خاسرة؟ إنه الانتقال بالحب عن هذا الحد، والانحراف به عن ذلك القصد إلى مجال الحب الجنسي الذي يكون قصده علاقة غرامية بين الاثنين، في أفق الوصول إلى ممارسات جنسية محرمة، حيث يفقدان السيطرة على عواطفهما ويجدان نفسيهما مندفعين إلى أتون الفاحشة والآثام. ذكريها بأن الله تعالى لم يحرم فقط فعل الزنا، وإنما حرم الاقتراب منه، وكل ما من شأنه أن يفلت معه زمام النفس، فيقع الانزلاق إلى الرذيلة والمنكر، قال تعالى: "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا". فالبنت التي ما زالت طفلة إذا أحبت طفلا مثلها حبا جنسيا تكون قد خطت الخطوة الأولى نحو الهاوية والضياع، ومارست حبا لم يحن بعد وقته، ولم تتهيأ ظروفه وشروطه، وبالتالي فلن تحصد من ورائه إلا تدنيس شرفها وسمعة أسرتها، ودمار حاضرها ومستقبلها. فما دام هذا الحب بهذه الأبعاد الضارة المهلكة فهو يجلب لها سخط الله وسخط الوالدين والناس أجمعين، لأنه لن يؤدي إلى نتيجته المحمودة، التي هي الزواج الشرعي، وإنما يضع الطفلين في مأزق شديد وعنت كبير، ويشغلهما عن دراستهما، ويحرمهما من التمتع بمرحلة الطفولة، وما فيها من مرح وبراءة وبهجة. فإذا اتضحت هذه العواقب أمام الطفلة سهل عليها التخلي عن هذا الحب السابق لأوانه، وتراجعت عنه إلى الموقع الأول، أو استغنت عنه تماما، وشغلت نفسها بحب الله ووالديها وأخواتها وكل عمل يقرب من حب الله. وفي هذا الصدد اشرحي لها ما قاله العلامة ابن قيم الجوزية وهو الخبير بالنفس البشرية والشريعة المحمدية: "فإن العاقل متى وازن بين نيل محبوب سريع الزوال، بفوات محبوب أعظم منه وأدوم وأنفع وألذ أو بالعكس، ظهر له التفاوت، فلا تبِـع لذة الأبد التي لا خطر لها بلذة ساعة تنقلب آلاما، وحقيقتها أنها أحلام نائم، أو خيال لا ثبات له، فتذهب اللذة وتبقى التبعة وتزول الشهوة وتبقى الشقوة" (زاد المعاد 4/273). احكي لها قصصا من صميم الواقع ومن جهة أخرى يمكنك أن تحكي لها بعض القصص المؤثرة وما أكثرها، كقصة واقعية لفتاة بالغة عمرها قارب العشرين أحبت شابا وكان يعدها بالزواج دون علم والديها، فانتهت علاقتهما بمولود غير شرعي، وتعاونا على قتله، فألقي عليهما القبض وأودعا في السجن ليقضيا فيه بقية شبابهما. وحاولي إقناعها أن تكتب قصة تتخيل فيها كيف يمكن أن تكون مغامرة طفلة مثلها مفضية إلى حياة سعيدة، وكيف يمكن أن تفضي إلى حياة تعيسة، ثم أوضحي لها مدى طغيان التفاؤل عليها في رسم نهاية سعيدة، وقربها من الصواب والتعقل والواقع عند رسمها للنهاية التعيسة. وبخصوص اهتمام ابنتك الزائد بمظهرها فلعله يندرج في إطار هذه العلاقة القلبية المبكرة، ومع ذلك فيحتاج إلى توجيه منهجي وحوار مستمر بينكما، حتى تدرك ما في سلوكها من غلو غير مقبول، يعرضها لغضب الله، كما يجعلها ألعوبة في يد الشيطان يزين بها للناس الفسق والغواية، وقد يجلب عليها ما لاترضاه لنفسها ولا يرضاه الله لها ولا الوالدان، من اختطاف أو اغتصاب أو تحرش جنسي، أو سوء ظن بها مما يمرغ سمعتها في التراب. وأخيرا عليك إغداق حبك على ابنتك، فإن حب الأم الصادق الخالص يغلب كل حب دونه، وهو كفيل بأن يجعلها تقتنع بنصيحتك وتقبل توجيهاتك، وتفتح لك أبواب قلبها لتسكبي فيه الرشد والاستقامة وحب الأم لابنتها الصافي الدفاق، والله الموفق لما فيه السداد والصلاح.