موقع منهج حياة

أخطأت وتابت.. ماذا بعد؟!


148 مشاهدات

أخطأت وتابت.. ماذا بعد؟!

نشأت في أسرة متدينة حرصت أمي أن يكون لنا نصيب من القرآن فأتممت حفظ ثلثه قبل التحاقي بالجامعة.. ارتديت الحجاب في الثالثة عشرة دون توجيه من أحد لإيماني بأنه فرض.. كنت دوما مثار فخر أمي لالتزامي وتفوقي. التحقت بكلية من كليات القمة، كنت في صباي أحمل من العقل ما حماني عن الوقوع في ما تقع فيه الفتيات من تعجل للحب والارتباط، فلم أسمح لنفسي حتى انتهيت من كليتي أن أتجاوز حدود الزمالة مع أي من الزملاء. تخرجت وعملت بمهنتي ولست أتذكر كيف بدأ ابتعادي عن طريق ربي حتى أصبحت لا أؤدي الصلوات المفروضة، توترت علاقتي بأمي لتركي للصلاة.. فكانت تقول لي إنها لن تكون لي أما ما لم أعد إلى ربي، وأنه سبحانه لا بد أن ينتقم مني لابتعادي عن الطريق بعد أن كنت من الملتزمات، وأحسب أنه سبحانه قد فعل. في تلك الفترة التحق معنا بالعمل زميل، كانت علاقتنا متوترة؛ لأنه يرى أنني أعطي نفسي من الصلاحيات ما يفوق قدراتي كفتاة، شيئا فشيئا بدأ يطيل الحديث معي ويثني على عقلي، ويعتذر عما بدر منه أولا. أصبحنا نتحدث كثيرا حتى باح لي بأن بينه وبين زوجته مشاكل وصلت للمحكمة لطلب الطلاق، أحسست أنه يتقرب مني، ولست أدري لم سمحت له أن يستمر في بثي شكواه وهمومه، ثم بعد ذلك حبه لي.. لأصدق معكم لو كان هذا الشاب طلب يدي بالطرق التقليدية ما كنت وافقت، فهو ليس من أريد زوجا من حيث العقل والشخصية، ولكنني لا أدري كيف تعلقت به؟ هل لأنه أول من أسمعني كلام الحب والهوى؟ هل كنت أتعاطف معه؟ هل لأنه كان وما زال يقول لي إن الله أرسلني له لأعوضه عما جرى له؟ لست أدري، ولكني تعلقت به، وأحسب أنني أحببته. أصبحت أذهب لمكان عملي دون مبرر لأراه وأتحدث إليه، ولأول مرة أعطي شابا رقم هاتفي ليحادثني، كان كلامه دافئا حنونا وهو لم يكن مخادعا.. صارحني بأنه يريد الزواج مني.. كنت أعلم جيدا أن أهلي لن يرضوا به زوجا ولكنني أصبحت أسيرة، وأذوب عندما يبثني حبه وشوقه. أحست أمي بما طرأ علي وعندما صارحتني وكنت من قبل أخبرتها أنه يعاني من مشاكل في زواجه ثارت ثائرتها، كيف لك أن تواعدي شخصا متزوجا؟ وعندها رأيت منها وجها لم أره طوال حياتي، وصفتني بأبشع الصفات، وباتت تتبع هاتفي وتحركاتي، بل توعدتني بأنها ستفضحنا عند رئيسنا في العمل إن لم أتوقف. ذهلت كيف لأحن الناس علي أن تقلب لي ظهر المجن؟ هل أخطأت عندما أحببته وأردت الزواج به؟ زادني رفضها تعلقا به وتجاوزت علاقتي معه حدود الشرع حتى كدنا نقع في الفاحشة.. ولكن الله سلم. دبر الله لي أن سافرت لبلده الحرام، وعندها رأيت الأفواج تأتي للحج وزيارة بيت الله الحرام، من كل فج أحسست بذل وهوان لا حدود لهما، كل هؤلاء العجم لا يفقهون العربية ولا يفهمون القرآن، وبرغم ذلك تذوب قلوبهم شوقا لربهم، وأنا العربية التي حفظت من آياته أهوي إلى الفاحشة! صدق المستشار "هشام" (ليست البكارة بالغشاء) فأنا تشريحيا ما زلت بكرا، ولكن بكارة العفة والشرف فقدتها.. فقدت عزة نفسي وإبائي.. فقدت بكارة الروح، ولم أعد من الطيبات التي هن للطيبين، ويا للذل الذي كسر ظهري، يا ويلتي من ربي، يا لشهوة ساعة أورثتني صغارا. أصبحت كسيره النفس، وعندما يثني علي أحد الناس لحسن خلقي أحسب ربي يبكتني فيقول لي: يحسبونك على خير، ولكني أنا أعلم حقيقة ما أجرمتِ. وقفت بعرفات فأحسست أن الله يغفر لكل الملايين سواي لعظم ما أجرمت، بكيت من خطيئتي وزلتي، وعندما زرت قبر المصطفى انفطر قلبي من أن يبرأ مني يوم القيامة. أنظر إلى الصالحات فأموت كمدا وقهرا على ما أوصلتني إليه نفسي، كيف كنت وكيف أصبحت؟ تارة أمني نفسي بأن الله منّ علي بأن أبعدني وجاء بي لبيته الحرام، وتارة أعتقد أنه سيرد علي عملي ولن يتقبل توبتي، أوَليست شروط التوبة أن أتوقف؟ فأنا ما زلت أفكر بزميلي.. أحيانا يشتد بي الشوق فأحدثه. أحسب أنني من المنافقين.. فكيف أصلي وأدعو الله أن يذهب حبه من قلبي ثم أعود؟ أجاركم الله.. دلوني كيف الخلاص؟ كيف أتخلص مما يجول في نفسي؟ أدعو ربي صدقا أن يتوب علي ثم لا ألبث أن أعود.. يا أخواتي والله لو تعلمون ما أنا فيه من غم لتوقفت كل فتاة عن العبث. سيدي ألا يشفع لي عند ربي ما كنت عليه يوما؟ ألا يخلصني من حسرتي؟ ألا يرزقني زوجا صالحا يعينني على طاعته وتوبتي؟ أوليس يعلم ندمي وصدق رغبتي وضعف نفسي؟ انتهت يقول هشام عبد العزيز.. محرر نطاق "مشاكل وحلول" الأخت الكريمة.. أهلا بك على صفحتنا، داعين الله أن يوفقنا لبث السكينة في قلبك وإرشادك إلى سواء السبيل.. مشكلتك برغم سلاستها وبساطتها الظاهرة تعج بالكثير من التفصيلات والمحاور المتداخلة، سواء على المستويين الاجتماعي أو الإيماني، غير أنها تنقسم إلى جانبين أساسيين.. أولهما إيجابي وثانيهما سلبي. بالنسبة للجانب الإيجابي، فإدراكك لخطئك ودرجته، وندمك عليه ومحاولتك تصحيحه وإيقافه، حتى وإن فشلت مرة ومرات هي أبرز علاماته.. كذلك اتفاقك معنا أن للبكارة أبعادا وتعريفات أخرى غير سلامة الغشاء، مع كونه علامة مميزة وأصيلة على البكارة.. كما أنك تدركين أن مشاعر الحب والميل إلى الجنس الآخر ليست هدفًا مجردًا نصبو إليه، وليست كذلك وسيلة تعيننا على متاعب الحياة، ولكنها جزء من منظومة متكاملة تحدها أطر الزواج بمقدماته المنضبطة، ويتبدى ذلك جليًا في قولك: "كنت في صباي أحمل من العقل ما حماني عن الوقوع في ما تقع فيه الفتيات من تعجل للحب والارتباط فلم أسمح لنفسي حتى انتهيت من كليتي أن أتجاوز حدود الزمالة مع أي من الزملاء"، ويعتبر هذا جزءًا من الوعي والإدراك الذي لم تحافظي عليه للأسف عند أول اختبار حقيقي تمرين به، والذي تجسد في تلك التجربة العاطفية. أما بالنسبة للجانب السلبي، وهو الجانب الذي يستحق منا قدرا أكبر من التركيز، فيتبدى في عدم جعل نشأتك الصالحة جزءًا من مكونات الوعي والإدراك لديك، ولعل ذلك ما انعكس جليًا على طريقة تفكيرك، وتوارى الوازع والكابح الذاتي عند أول تجربة حقيقية تمرين بها. وما نقصده هنا بانفصال الالتزام عن الوعي والإدراك الذي نتحرك به في حياتنا ونستكشفها من خلالها، هو عدم اعتبار الإيمان وعاءً للمعرفة التي نتحرك بها في حياتنا، فلا يكون هو المرجع والأساس لتصرفاتنا، وفي النهاية نجد أن التزامنا تحول لجمل نظرية وعبادات نمطية لا تنعكس على تعاملاتنا مع الآخرين. كما يبدو أنك تفتقدين مهارات إدارة الذات عند الانفتاح على دائرة اجتماعية أوسع وأكثر تعقيدًا.. وافتقادك لتلك المهارات ربما ناتج عن طبيعة العلاقة التي كانت تهيمن على أسرتك، فوالدتك جزاها الله خيرًا صبت جل اهتمامها على تنشئتك على الدين، والتأكد من التزامك بالعبادات، ولكن يبدو أنها أتمت ذلك بمنطق الزجر والترهيب، فكانت دائمًا ما تهددك بمقاطعتك عند التراخي في أداء العبادة، أو بغضب الله الذي سيقع عليك جراء ذلك. إن أمك من الواضح أنها من تلك الأمهات المتفانيات في خدمة أبنائها حتى تراهم في أفضل صورة، حتى أن ذلك يشغلها عن احتوائهم عاطفيًا، وتلقينهم سبل إدارة العلاقات مع المحيطين بهم. أنت بحاجة لقدر أكبر من الاطلاع والقراءة، وربما تفيدك محتويات صفحتنا في صقل خبرتك الاجتماعية بما تحويه من تجارب تكاد تكون متطابقة مع تجربتك.. كذلك كان عليك أن تحافظي على إدراكك أن أي علاقة عاطفية يجب أن توضع في إطارها المشروع الوحيد بحدوده المنضبطة، وفق بيئة من التوافق والتكافؤ والمنطقية أيضًا.. ربما سعى ذلك الشاب الذي كان افتعاله للمشكلات معك بداية -على الأغلب- جزءًا من حيلة للإيقاع بك في حباله، مستغلا سذاجتك وافتقادك لمهارات التواصل في دائرة اجتماعية تحكمها قواعد تختلف بالكلية عن تلك التي تحكم مجتمع العائلة والدراسة، أقول ربما سعى إلى الهروب من مشاكله الزوجية إلى علاقة جديدة تعوضه عن أجواء المشكلات وحالة الجفاء التي يعيشها. وإن افترضنا جدية العرض الذي تقدم به الشاب للزواج بك، ألم يفترض بك، في خطوة منطقية، أن تقومي بحساب احتمالات الربح والخسارة من وراء تلك الزيجة؟ ويبدو أن تلك الحسابات حسمتها والدتك وتيقنت أنها ستكون زيجة فاشلة بكل المقاييس. غير أن والدتك هي الأخرى برغم أنها أتمت حساب المعادلة بشكل جيد، لكنها فشلت في تقديم الحل النهائي في إطاره الصحيح، فكان يتوجب عليها أن تعمل سبل الإقناع والاحتواء، بدلا من وسائل الترهيب والتهديد بالمقاطعة والفضح التي اتبعتها معك، وهو ما دفعك لاستكمال العلاقة بدافع من التحدي والعناد، إضافة للدوافع التي ذكرناها وهي السذاجة والرغبة في دخول علاقة عاطفية، وقبل كل شيء ابتعادك عن سبيل الله. إني أحييك على صراحتك مع نفسك حين اعترفت بشكل غير مباشر أن علاقتك بذلك الشاب لم تتعدَ علاقة الرغبة، فأنت نفسك من قلت إن ذلك الشاب "لو كان طلب يدي بالطرق التقليدية ما كنت وافقت".. إذن فأنت تدركين أنه لا يصلح زوجًا وأن ما جمعتك به فقط هي الرغبة وليس الحب الحلال، ولو كان إيمانك يشكل جزءا من وعيك وإدراكك للأمور وطريقة حياتك بالفعل لقررت بعد تفكير يسير قطع تلك العلاقة. أيضًا سردك للمشكلة يؤكد أنك حاليًّا لا تعتبرين أن العلاقة يمكن أن تنتهي بالزواج، وأنك تستبعدين ذلك، بل يظهر أنك ترينها إثما اقترفتِه وترغبين في التطهر منه، لذلك لن أنصحك بأن تحسمي موقفك من الزواج بذلك الشاب بوضوح، وتحمل تبعات قرارك، لأنك الوحيدة التي ستستفيد أو تتضرر من ورائه، أيضًا لن أذكرك بأن الزواج ليس مشاعر ورغبات فقط، ولكنه مقصد إلهي وأحد لَبِنات البناء الاجتماعي.. المهم، أنك تعتبرين علاقتك بهذا الشاب الآن علاقة آثمة.. وقد دخلتِ في مرحلة إدمان العلاقة، وإدراك خطئها والتطلع للتوبة في نفس الوقت، وهنا يجب قياس مدى صدق توبتك، وبيان كيفية تدعيمها.. أنت تعاودين الاتصال بذلك الشاب لأن رغبتك في التواصل معه واستكمال تلك العلاقة أقوى من رغبتك في التطهر من الذنب، وهذا يضرب في صميم توبتك.. إن تذكرتِ ذلك في كل مرة تلوح ذكرى ذلك الشخص في مخيلتك فقطعا ستغلبين حبك لربك وشوقك لرضاه على رغبتك في تلك العلاقة الحرام، وطبعًا لن يكون هذا إلا إذا صدقت نيتك، ولو صدقت نيتك فلن يردك الله، فإنه سبحانه يغفر الذنوب جميعًا. إن التوبة التي أقدمت عليها بدافع من أجواء المسجد الحرام والمسجد النبوي، وبمخزون صلاح النشأة وطيب التربية تحتاج إلى تنمية، فعليك أن تتعهديها بالرعاية من خلال تحقيق الندم الحقيقي والدائم على الذنب، والإقدام على الله أكثر ومعاودة التفكير بشكل منطقي في أحداث تلك القصة، وما كانت تعنيه تصرفاتنا وردات أفعالنا تجاهها. ويعاونك في تحقيق صدق التوبة، أن تكتشفي ذاتك ومهاراتك، فلا تتركي نفسك للفراغ، عليك بالانخراط في نشاط تطوعي، أو مجال تنموي، لترمي عصفورين بحجر واحد أولهما رفع مهاراتك، والارتقاء بذاتك، وثانيهما سد مداخل الشيطان، التي يكون الفراغ أوسعها. وأخيرًا، إن كنت تستطيعين تغيير مكان عملك بحيث لا يجمعك بذلك الشاب أي فرصة للقاء، فعليك أن تفعلي ذلك فورًا، وإن لم يكن الأمر متاحًا فحاولي تحديد علاقاتك وحديثك معه في حدود مطالب العمل، وفي أجواء جماعية بعيدًا عن الاتصالات المباشرة، أو الانفرادية غير الضرورية. إذن فالحل بيدك وحدك ولا تحتاجين سوى تعلم كيف تديرين توبتك كما سبق أن أوضحنا، مع التركيز على شغل وقت فراغك بالنافع. يسر الله لك كل خير وألهمك سبيل الرشاد، ورزقك العفاف والزوج الصالح.