موقع منهج حياة

أحاديث أمي الهاتفية: أسرى الوحدة والفراغ


334 مشاهدات

أحاديث أمي الهاتفية: أسرى الوحدة والفراغ

أنا فتاة في الثامنة عشرة من عمري، من أسرة متدينة، خصوصا أمي؛ فهي متدينة جدا، وهي التي ربتنا على الأخلاق والدين والالتزام بالصلاة وكل شيء له علاقة بالدين، ولكني في الفترة الأخيرة أصبحت أجد أن أمي تهتم كثيرا بهاتفها الخاص وتمسك به في كل مكان في المطبخ في الحمام في الغرفة... في البداية كان الأمر عاديا، ولكني بدأت أشك في الأمر عندما أتت لأمي مكالمة وذهبتْ سريعا للرد عليها في غرفة فارغة، وعندما لحقت بها ودخلت الغرفة كانت على وشك الرد ولكنها عندما رأتني لم ترد، وهذا بالطبع ليس السبب الأساسي، ولكن حدث الكثير من المواقف المشابهة، ولكنني توصلت وأيقنت أن أمي على علاقة برجل وهذا الرجل نعرفه. أنا لا أعرف ما طبيعة هذه العلاقة تماما، ولكن هناك علاقة، وقد أردت التأكد؛ فكنت آخذ هاتف أمي خلسة وأتفحص بعض الرسائل، وصدمت عندما وجدت به كلام حب لها مع أني أعرف مسبقا أن هناك شيئا ما، ولكني لم أتوقع كلام الحب هذا ووجدت في الرسائل أيضا ما يشير إلى أن هناك شيئا ما، ومنها أن أمي تطلب منه مسامحتها ولا أعرف لماذا، وأشياء أخرى. كما أن أمي أصبحت مهتمة أكثر بملابسها وأصبحت تشتري الكثير منها بعدما كانت لا تحب أن تشتري شيئا لنفسها أبدا، وأنا لا أستكثر عليها ذلك، ولكن لماذا تشتري هذه الثياب وتحرص على أن تبدو في أفضل صورة عندما تخرج من البيت لتقابله؟ حيث إنه يقوم بإتمام مصالحنا، وأبي يعلم بهذا، ولكنه لا يعلم ماذا يدور في الخفاء بالطبع. أنا لم أعلمكم أن أبي يعمل بالخارج وقد كنا نعيش معه، ولكننا انتقلنا هنا منذ سنتين فقط، وأبي ما زال يعمل هناك وأظن أن هذا كان بداية العلاقة. أنا لا أظن أن أبي مقصر في أي شيء حتى أمي تعترف بهذا دوما؛ فهو دائم الحنان والمودة والرعاية لأمي ولا يبخل عليها بشيء أبدا، وأيضا أبي لا يغيب عنا طويلا؛ فأمي تراه كل شهرين أو 3 أشهر وحتى إن غاب فهذا ليس مبررا. إنني أستمع كل يوم لأحاديث أمي الهاتفية والتي تكون كلاما عاديا معه، ولكنها تتحدث إليه بصيغة الجمع وأحيانا بصيغة الأنثى كي لا نفهم!! وعندما نقترب من أمي لكي نحدثها تبعد سماعة الهاتف وكثيرا ما نسمع صوت رجل مع أنها تتحدث بصيغة الأنثى. وما يؤلمني أكثر هو أحاديثهما التي يتكلمان فيها عن الدين وتقوم أمي بتثقيفه عن حياة الصحابة وخلافه، ودائما أقول في نفسي ألم يكن من الأولى أن تحافظ على بيتها وأن تحفظ غيبة زوجها!! أم أن الدين هو حياة الصحابة والثقافة الدينية فقط؟! أليس الأساس هو الأخلاق والمبادئ؟؟ والغريب أن أمي تحافظ على الصلاة في أوقاتها كما أسمعها دائما تعطيه الدروس الدينية، وكأن العلاقة التي بينهما حلال أو ليس بها أي شيء خاطئ. لقد أدمنت أمي على الهاتف وأصبح لا يفارقها، إنها بلا مبالغة تتكلم طوال الوقت الذي تكون مستيقظة فيه، حتى لقد سئم أصدقائي من الاتصال بي بسبب انشغال الهاتف، لم يستطع أحد الاتصال بي منذ فترة طويلة، وحتى عندما تقول لنا أمي إنها سوف تذهب لتنام تأخذ الهاتف معها وتغلق الباب ولا تنام وتظل مستيقظة تتحدث وعندما يحين موعد استيقاظها تقول لنا إني لم أنم أبدا وكان عندي صداع... إني أريد أن تعود أمي كما كانت أجد وقتا لأتحدث معها، ولا تغلق عليها الباب عندما تنام كما كانت من قبل؛ فنحن لا نستطيع تقريبا أن نكلمها من دون أن يكون الهاتف مفتوحا!! فعندما نحدثها تكون هي تحدثه على الهاتف فتستأذن وتتعمد أمي إسماعه كل الكلام. يعني الموضوع باختصار أنه يعرف كل صغيرة وكبيرة في البيت وكل تفاصيل حياتنا؛ حتى إني أصبحت لا أحب التحدث لأمي؛ لأنه عندما أحكي لها موضوعا كأني أحكي له، وأحس أن أمي فاقدة تركيزها تماما معي، وكأن كل همها أن تسمعه، وأحيانا تخفي الهاتف كي لا نعرف أنه مفتوح. إن لي إخوة أصغر مني وقد لاحظوا أن أمي تتحدث معه مع أنهم ما زالوا أطفالا؛ فكثيرا ما يسمعون صوته في الهاتف مع ظنهم أن المتحدث أنثى، وأنا لا أستطيع الاحتمال أكثر، وإني أعترف أني كنت حمقاء في تصرفاتي؛ حيث إني حدثت إخوتي بشكي مع أنهم صغار، ولكن كل ذلك من غضبي وعدم استطاعتي الاحتمال أكثر من ذلك، وقد أكدت بذلك شكوكهم، لكني أدركت ذلك وأحاول إقناعهم بأشياء أخرى وتبريرات كل يوم حتى لا يفقدوا احترامهم لأمهم خصوصا أنهم ما زالوا صغارا. لا أعرف لماذا عليَّ احتمال هذا السر وحدي؟ لماذا لا يستطيع أخي الكبير اكتشاف ذلك لا أعرف؟ أحيانا كثيرة أتمنى لو أخبره ولكن لا أستطيع، بالطبع فقد ينهار البيت وأكون أنا السبب، وأحيانا أخرى أتمنى أن يكتشف من نفسه ولكن سينهار بيتنا أيضا، وما أستطيع فعله هو أني أدعو لأمي بالهداية دائما في صلاتي، ولكني أبكي كلما تذكرت أبي لماذا تفعل أمي به ذلك وهو لم يقصر يوما في حقها؟. لقد فكرت في أفكار كثيرة تبعده عنا، منها إرسال رسالة لهاتف زوجته الذي أعرفه لأخبرها فيها أن زوجها يتحدث مع امرأة غيرها على الهاتف طوال اليوم لتراقب أفعاله، ولكني سوف أهدم بيتهم على حساب مصلحة أمي، ومصلحتي أني أريد أن يهديهم الله فقط دون أي أضرار. لقد تعبت من كثرة الكتابة، ولكن أرجوكم أن تكتبوا الحل سريعا، إني بدأت أشعر أن احترامي لأمي بدأ يقل.. وأنا لا أريد أن يحدث هذا، ولكنه بالطبع خارج عن إرادتي. ولي طلب أخير هو أن يكون آخر شيء تفكرون فيه أن تكون هذه تخيلات، أو أنه لا يوجد علاقة ويجب عليَّ أن أتأكد قبل أن أظلمهما أو أي شيء من هذا القبيل؛ فإنه لم يعد هناك مجال للشك.. جزاكم الله كل خير. انتهت يقول د.أحمد عبد الله الابنة الكريمة، قلبي معك في موقف لا تحسدين عليه، ولكنك تحتاجين إلى تماسك وتفكير سأحاول أن أبنيه لك، وأحتاج إلى تفهمك ومعاونتك. لن أتطرق إلى أن ما تقولينه هو تجليات خيال أو مجرد شك لا أساس له، بل سأنطلق مباشرة من أنه صحيح كله. ولا أدري هل تتابعين معنا الرسائل التي تحدثت عن مفهوم الخير والشر، المثال الوردي والواقع الحقيقي فيما يتعلق بنا نحن البشر؟!. يلزمك هذا وهو سيضيء لك دربك بصورة أوضح، وستجدين سلسلة بدأت ولم تنته، وفيها: " على حافة الزنا: مقصلة التلبيس والأساطير صدمة الحقيقة وعبء الاختيار.. الوعي وإعادة البناء"، وغيرها من إجابات أرجو أن تطلعي عليها. أصل الفطرة الإنسانية وواقع التجربة فيها أننا بشر نصيب ونخطئ، وأمك المتدينة جدا -على حد تعبيرك- هي مثلنا جميعا، أليس كذلك؟!. ووضعكم الأسري مثل العديد من بيوتنا التي يغيب فيها الرجل بالشهور، وهو وضع غير إنساني، وقد يتم باتفاق أو بإذعان، ولكن المرأة/ الزوجة تجد نفسها وحيدة تلعب دور الأب والأم معا، وهو حمل ثقيل إلا على من خففه الله عليه، لكن هل يبرر هذا الوضع يا ترى أن تذهب الزوجة لتلتمس رفيقا "مقيما" بدلا من الزوج المسافر؟!. وهل هناك مبرر لعلاقة هاتفية أو أكثر؟!. طبعا لا، ولكننا ينبغي أن نفهم كيف يقع هذا؟! ولماذا يحدث، حتى نعالجه بدلا من الاكتفاء بإدانته أو الانهيار لأجله، أو الاكتفاء بالدعاء، أو التهور باندفاع غير محسوب. ومن أكبر ما نتورط فيه أننا نحكم على غيرنا دون أن نمر بنفس التجربة؛ فأنت مثلا لم تتزوجي ثم يتركك زوجك مع الأولاد، وقد تكون والدتك في مرحلة منتصف العمر حيث تشعر أصلا باشتياق زائد لتأكيد أنوثتها وشخصيتها وأنها مرغوبة وموضع اهتمام!!!. وأعجبني أنك لم تندفعي في أحكامك بل اهتممت بالتأكيد على أنك لا تعرفين طبيعة العلاقة بينهما، وأن أحاديثهما التي تجري أمامك هي عن الدين وحياة الصحابة وما شابه، ويبدو من كلامك أن علاقة أمك بهذا الرجل تقتصر على المحادثات الهاتفية المستمرة طوال الوقت على حد وصفك، ولكن في كل الأحوال فهي علاقة تحمل من الشبهات والألغام والأخطاء الشيء الكثير مهما كان محتواها مقتصرا على أحاديث بريئة في الدين أو في غيره. والسؤال هو: لماذا تفعل أمك ذلك؟! طبعا يمكننا المسارعة إلى اتهامها بأنها شريرة أو منحرفة أو زوجة غير مستقيمة، والأهم أن نفهم النواقص التي تفتقدها أمك، والتي تحاول سدها بهذه المحادثات، سواء تم هذا بوعي منها أو بدون وعي، أقصد وعيا بأنها متورطة في محاولة تعويض أو طلب دعم ومساندة بطريقة لا تصح، وعواقبها وخيمة على عدة مستويات. يجوز أن أمك تشعر بالوحدة فلا توجد في حياتها صداقات كافية، ويجوز أنها لا تستثمر معارفها الدينية في حركة اجتماعية أو أنشطة تدور حول هذه المعاني أو المعارف، ويجوز أن حملكم ثقيل عليها وحدها بما يجعلها تحتاج إلى من تروي له وتسمع منه، وتستشيره أو على الأقل تثرثر معه كعادة أغلب النساء. أنبهك إلى أنه رغم خطأ ما تفعله أمك فإنه ليس بالضرورة يحمل طابعا جنسيا، ولكنه سيظل مرشحا لهذا طالما أن هذه الأحاديث خاصة وسرية وفردية تدور دون معرفة زوجته، ودون معرفة والدك، وبمحاولة إخفائها عنكم أيضا. أنا أحاول معك ضبط وتحرير المسألة لنعرف ما نحن بصدده، ومعرفتنا بحجم الخطأ تعين على التماسك أمامه، وترشدنا في سبل العلاج. وما لدينا هنا من معلومات مؤكدة هي أن والدتك تعيش علاقة هاتفية -مجهولة الحدود- مع رجل تعرفونه، ولها في ذلك دوافعها وأسبابها، ورغم اتفاقنا على خطأ هذا فنحن نريد ألا نندفع في المبالغة أو التهوين، ولا نريد أن نتسرع في استنتاج مستوى العلاقة. وفي كل الأحوال لا أظن أن إذاعة الأمر تفيد أحدا أو تضيف علاجا، ولا أعتقد أنه سيفيدك أو يفيد العلاج أن تواجهي والدتك، أو أن تخبري والدك أو شقيقك. والأفضل أن تقتربي أكثر من والدتك لتفهمي حاجاتها ومشاعرها، ولعلك تستطيعين التخفيف من شعورها بالوحدة، وأن تكوني جزءا من التفريج عنها ومواساتها في حمل مسئولياتكم بدلا من كونك مجرد عبء من الأعباء الملقاة على عاتقها، ومجرد طرف يطالب ويريد، ويأخذ ولا يعطي. دور آخر يمكنك القيام به وهو أن تقترحي على والدك العودة إلى الوطن وتكفي غربة السنوات الماضية، أو أن يصطحب والدتك معه، ولكن الاقتراح الثاني سيعني أنك وأخاك الأكبر ستكونان مسئولين عن الأشقاء الصغار، ولكن المشكلة الخاصة بالعلاقة الهاتفية ستنتهي "كما أتصور". أمك التي كنت تحسبينها ملكا ظهر لك أنها ليست كذلك، فهي مجرد إنسانة مثلنا جميعا، وملائكية الأم هو وهم يعشش في أدمغتنا، بينما الأم مخلوق من طين يمرض ويتعب ويحتاج ويئن، وستكونين أمًّا في يوم من الأيام، وستعرفين معاني كلامي هذا، وبدلاً من الإصرار على الأساطير التعيسة تعالي نفكر معا في الظروف المحيطة بأمك، والتي دفعتها لهذا الاختيار المشبوه، وهي المتدينة المحبة لزوجها!!!. إن علاجنا لهذه الظروف والسياقات يعني أن تصبح أمك في وضع أفضل للاختيار، ووضع دعم أكبر لضميرها وتقواها؛ لأن الشيطان مع الواحد، والذئب يأكل من الغنم القاصية، فلا تتركي أمك أو تهجريها أو تبتعدي عنها فما يصدر عنها يثير الشفقة -أو هكذا ينبغي- أكثر مما يثير الكراهية أو الاحتقار. اجلسي مع نفسك، وفكري معي ومعنا كيف تفهمين وتنقذين هذا الإنسان الضعيف المتعثر في فخ شهوة أو شبهة، هروبا من وحدة، أو تعويضا عن غائب ينتظر؟!. ولعل رسالتك تكون مفتاحا لنقاش في ملف الأزواج الغائبين عن بيوتهم، والزوجات الوحيدات المهجورات من أجل مستوى أفضل اقتصاديا للأسرة، أو لأسباب أخرى تؤدي لهجر النساء!!!. وبعيدًا عن الجانب المباشر لظروف أسرتكم فإنني أعتقد أنه لدينا مشكلة بطالة، ومشكلة اقتصادية في مستوى الدخل... إلخ، ولكنني أعتقد أيضا أن الحل لهذه المشكلات لم يكن الهجرة إلى حيث النفط، والعيش هناك مع شطر الأسرة بين قطرين، وآن لنا أن نحسب مكاسب وخسائر هذه الخبرة والتجربة الممتدة الآن لعقود مضت، وربما نقرر أن نحل مشكلتنا الاقتصادية فرادى وجماعات، مجتمعا وأمة بشكل مختلف.. وتابعينا بأخبارك.