موقع منهج حياة

"اضرب من ضربك".. صواب أم خطأ؟


192 مشاهدات

"اضرب من ضربك".. صواب أم خطأ؟

ابنتي عامان و8 شهور، وعندما تتعامل مع الأطفال في مجتمعنا سواء بالحضانة أو في الاجتماعات العائلية والأصدقاء ويقوم أحد بضربها أو إيذائها تبكي ولا ترد وتأتي إلي. مع العلم أنه في أغلب الأوقات لا أستطيع معاقبة الطفل الآخر ووالدته أكثر ما تفعله تقول: (عيب كده)، أما بالنسبة للحضانة فإن المعلمة تقوم بمعاقبة الطفل.. والآن السؤال عندما تأتي إلي تبكي ولا أستطيع فعل شيء هل أقول لها: (لما حد يضربك اضربيه)، وأيضا ما هو شعورها كون معلمتها تسطيع أخذ حقها وأنا لا؟ عفوا للإطالة ولكن لي سؤال آخر: ابنتي تسمع ما أقوله وتستجيب لي فيما أقوله لها، وعندما يحدث ذلك أمام العائلة والأصدقاء يقولون لي إنني دائما أرهبها، وإني لا أتركها تحيا حياة الأطفال، ولكني مقتنعة تماما بما أفعله، مع العلم أن ابنتي تحبني جدا جدا ولا تفارقني سوى في ساعات الحضانة.. فهل أنا أفعل الصحيح أم أنني لا أتركها تحيا حياة الأطفال؟ انتهت تقول أ. منى أحمد، مستشارة بصفحة "معا نربي أبناءنا": ما أكثر أن يتكرر هذا المشهد في حياة كل طفل وآبائه، ويقف الأب أو الأم مكتوفة أيديهما.. ماذا يفعلان؟ هل يشجعان الطفل على الثأر ويطلبان منه أن يضرب من يضربه أم يكتفيان بأن يطلبا منه أن يسامح من ضربه؟ وهنا تزداد الحيرة في نتائج هذا الموقف.. هل الابن بذلك سيصبح عدوانيا أم أنه بذلك سيصبح سلبيا ويظل الآباء في حيرتهم ماذا يفعلون؟ لكن دعينا في البداية نلخص تساؤلك في عدة نقاط: - ماذا تفعلين عندما تضرب ابنتك؟ - قلقك من مشاعر ابنتك المترتبة على رد فعلك؟ - طريقة تعاملك مع ابنتك صواب أم خطأ؟ أولا- ماذا تفعلين عندما تضرب ابنتك؟ إذا دققنا النظر فسنجد أن هذه المسألة برمتها موكولة لقرار الطفل نفسه، والمتأثر بشكل كبير بطريقة تنشئته وتعامل المحيطين به، فالطفل في مراحل عمره المبكرة يكون مفهوما عن ذاته منبعه بشكل كبير مفهوم الآخرين عنه وعن قدراته، فهو يتمثل شيئا فشيئا هذه المفاهيم. وابنتك تقترب من عامها الثالث، وهذه السن يظهر فيها بوضوح مدى اعتمادية الطفل أو درجة استقلاليته واعتماده على ذاته بشكل مختلف عن المراحل الأخرى ومدى ثقته بذاته وقدراته. ومن المهم أن نتفق على أن أي طفل -بل أي إنسان- يمتلك قدرة على الدفاع عن نفسه، حتى ابنتك الحبيبة، فهي تمتلك هذه الوسيلة، وإن كانت وسيلة سلبية لا نحبذها، وهي البكاء، وهنا يأتي دور الوالدين في تنمية الثقة بالنفس، ما عليك هنا هو أن تضعي البذرة وتتركيها تنمو فقط، وستجدين من خلال بذرتك هذه ابنتك قادرة على التعامل مع المواقف المحبطة لها. ولكن حتى يحدث ذلك دعينا نقف قليلا على بعض الأسباب التي تجعل الطفل يتخذ من البكاء والاختباء خلف الكبار دفاعا له: 1- الحماية الزائدة والتدليل، فالطفل يشعر من خلال حماية الأهل له بعدم الكفاءة؛ لأن ذلك يحرمه من خوض التجارب وتكوين مفهوم مهم جدا (إني قادر على...) الذي يتحول مع الأيام لمفهوم (لا أستطيع)، وبذلك تضعف شخصية الطفل وتقل لديه مهارات توكيد الذات. 2- التهديد المستمر والتوبيخ يشعر الطفل دائما بعدم الأمان والخوف من خوض أي تجارب بنفسه، كما أن التوبيخ يكوّن مفهوما سلبيا لدى الطفل عن ذاته، الأمر الذي يجعله إذا تعرض لأي إحباط خارجي يفشل في التعامل معه، ويلجأ للبكاء أو إلى الأهل. 3- إطلاق مسميات سلبية على الطفل أو إهانته وتوبيخه، خاصة أمام الآخرين، كأن يطلق عليه (صفة الجبن) أو نهره لأنه لم يستطع أن يأخذ حقه بنفسه كما يفعل الأطفال الآخرون. وللتعامل مع هذه المشكلة: لا بد أن نتفق في البداية أنه إذا كان من المهم في مراحل سابقة أن تشبعي احتياجات ابنتك من التعلق بك، فمن أهم ما يجب فى هذه المرحلة تدريبها على الاعتماد على ذاتها وتركها تخوض التجارب لتكتشف قدراتها وتكون مفهوما إيجابيا عن ذاتها. أختنا الفاضلة، إن كلمة السر للتعامل مع هذه المشكلة هي أن تدعمي ثقة ابنتك في نفسها، واتركي لها بابا تحقق فيه شخصية مستقلة قادرة على اتخاذ القرار وتحمل النتائج وذلك من خلال: - لا تحاولي القيام بأي أعمال تستطيع هي القيام بها بنفسها، وافعلي ذلك بشكل متدرج. - ضعيها في مواقف تكتشف فيها ذاتها من جديد وقدراتها، كأن تطلبي منها القيام على بعض الأعمال في المنزل مثلا، أو القيام ببعض المسئوليات الخاصة بها هي (كارتداء ملابسها). - التقليل من الأوامر المقدمة إليها، ولنستبدل بها اقتراحات متفق عليها (إيه رأيك في...، تفتكري نعمل كذا أم كذا...). - تابعيها من بعيد وهي بين الأصدقاء والاجتماعات العائلية وقوّمي ما ترينه بعد ذلك بشكل تربوي وغير مباشر، ولا تكثري من توجيهها خاصة أمام المحيطين بها. - اتركي لها فرصا لتتحمل نتائج أخطائها، فغير معقول أن نظل وراء أبنائنا حتى لا يقعوا فى أخطاء. - دربيها على التعامل في المواقف المحبطة المختلفة، ومنها ضرب الأطفال لها، وممكن أن يحدث ذلك من خلال قصة أبطالها حيوانات تحبها أو من خلال تدريبها باللعب معها (لعبا تمثيليا) واتركيها تتعامل مع من ضربها من خلال اللعبة، وحاولي بقدر الإمكان في فترة دعم ثقتها بنفسها وتدريبها إبعادها بعض الشيء عن المواقف أو الأطفال الذين تتعرض من خلالهم للضرب. - دعمي ابنتك وكوني لها قدوة في التعامل مع الموقف، فإذا تعرضت للضرب من أحد الأطفال لا تسرعي وتشتكي لوالدته، ولكن قفي بين الأطفال بهدوء وتحدثي معهم بهدوء لتعرفي ماذا حدث في الموقف نفسه وتعاملي معه، وليكن حكمك عادلا في النهاية، وهذا سيكون بالنسبة لابنتك قمة الدعم بعد ذلك. - لا تسرعي في التدخل بين شئون الأطفال إلا إذا لجئوا إليك، ويكفي إذا شعرت أن أحدهم قد يتعرض للإيذاء أن تقفي بينهم وتنظري بحزم، فكثير من مشكلات الأطفال يستطيعون بدرجة ما التعامل معها، بل تكسبهم قدرة على حل مشكلاتهم بأنفسهم فيما بعد. ثانيا- قلقك من مشاعر ابنتك المترتبة على رد فعلك: عزيزتي.. ببساطة شديدة عندما تسلكين رد الفعل المناسب المدعم لابنتك بدرجة كافية لن تشعر أن والدتها قد خذلتها، خاصة أن تصرف المعلمة في اعتقادي يفتقد هذا الدعم بشكل ما، فليس معنى أن نضرب من ضربها أن أخذنا حقها، بل مهم أن يقدم الدعم المتوازن الذى يحقق تنمية الثقة بالنفس والاعتماد على الذات، وفي نفس الوقت إرضاء الطفل وعدم وصوله للشعور أنه طفل مقهور أو مظلوم أو مثل هذه المفاهيم السلبية. اطمئني ابنتك ستشعر بأنك دعمتيها وأخذتي حقها إذا تدخلت بشكل مناسب كما اتفقنا سابقا. ثالثا- طريقة تعاملك مع ابنتك صواب أم خطأ؟ أحب أولا أن أحييك على حبك لابنتك بارك الله لك فيها، وإذا كان من المهم أن نحب فالأهم أن نعبر عن هذا الحب بشكل إيجابي بعيدا عن القلق والخوف الزائد؛ لأنه سيأتي بنتائج عكسية. تأملي معي أختي العزيزة ابنتك الغالية في موقف البكاء، فلا أعتقد أنك تحبين هذا المشهد، لذلك مهم جدا أن تتعامل مع حبك لها بشكل متوازن، بشكل يعطي لها فرصة للتعبير عن نفسها وذاتها، وتتحمل بعض مسئوليتها الصغيرة حتى تستطيع التعامل مع المواقف المحبطة لها بشكل مناسب، وهنا سيظل حبك لها وستظل هي تحبك ولكن دون هذا التعلق الذى وصفتيه؛ لأنه تعلق يعيق نموها بالشكل الذي يرضيك أنت بعد ذلك. بارك الله لك في ابنتك، وحفظها ابنة محبة وبارة بوالديها.