الرئيسية

حياتنا


نحن نغرق فعلا: عصر ووسيط الديجيتال


إستشارات


أنا سيدة متزوجة، زوجي يعمل بالخارج، واتصالي به يتم عن طريق النت أو الشات كما يقولون، عرفت منه أنه يقوم بالشات، فخفت كثيرا أن يكون يتكلم مع بنات، فأحببت أن أختبره، فدخلت عليه باسم غير اسمي، وادعيت أنني بنت عمرها 19 سنة، وبدأنا في الكلام معا. في البداية قال لي بأن هناك بنتا دخلت تتكلم معه وأنه يعتقد أنها ولد يضحك عليه، ولكنه استمر في الكلام معي أنا بنتالـ19. في البداية عرفني بنفسه على أنه شاب غير متزوج يبحث عن بنت للزواج، وأن ليس لديه فرصة أن يبحث عن بنت؛ لأنه غير متواجد ببلده كثيرا، والمفاجأة التي أذهلتني أكثر أنه بدأ في كلام معسول؛ مثل: "ارتحتلك"، "أريد أن أسمع صوتك"، "وحشتيني"، وأنا أستشيط غضبا وغيظا؛ لأنه بدأ يقول لها كلام حب كثيرا ما سمعته منه وصدقته أيضا، ورغم أنني صورت له نفسي بطريقة يكرهها أي شاب وهو بالذات كما أعلم منه يكرهها؛ فظهرت له كبنت لعوب، تخرج مع هذا وهذا، وكل ما يهمها هو أن تظل عذراء حتى يأتي العريس، فتظهر أمامه الشريفة العفيفة التي لم يلمسها بشر، ففوجئت به يقول لي: إنه سينسى كل هذا ما دمت صرحت له به وما دمت سأخلص له بعد الزواج، والأكثر من ذلك أنه قال لي: إنه يريد عنواني حتى يتسنى له أن يراني عندما يأتي لبلده.. أرجو أن ترشدوني ماذا أفعل معه؟ وهل أصدقه بعد ذلك فيما يقوله لي من كلام الحب، وأنا أعرف أن واحدة غيري تشاركني في نفس الكلام؟ وهل هو يتسلى فقط أم أنه يحبها فعلا وينوي أن يتزوجها؟ وهل أنا لم أعرف زوجي طوال فترة زواجنا (الثلاثة سنوات) حتى أجده يحب هذا النموذج من البنات؟ وماذا أفعل؟ هل أستمر في الكلام معه أنا بنت الـ19 حتى أعرف النهاية، أم أكف عن ذلك؟ وأنا بالطبع لا أستطيع مصارحته بكل هذا؛ لأن ذلك سوف يهدم زواجنا بلا شك. أنا في دوامة بين هذه البنت التي لا أدري هل زوجي يحبها حقا، أم مجرد أنه يضيع وقته معها؟ حتى هذا فأنا لا أقبل به. ومن ناحية أخرى أنا الزوجة التي كانت دائما واثقة من إخلاص زوجها لها، وتذوب إخلاصا له في كل وقت، وخاصة عند غيابه؛ فأنا لا أشكر في نفسي، وإنما أنا أحفظ زوجي دائما في غيابه في ماله وعرضه وولده. أفيدوني ماذا أفعل وأنا "أتخانق" معه الآن بدون سبب؛ مما أعانيه بداخلي؟ انتهت يقول د.أحمد عبد الله الأخت السائلة.. رسالتك تتيح أمامي فرصة لنقاش آخر ما توصلت إليه بتأملاتي في طبيعة الآثار والأوضاع التي أحدثتها شبكة الإنترنت في حياتنا النفسية والأسرية والاجتماعية؛ تلك الآثار والأوضاع التي لم تحظَ حتى الآن بالاهتمام اللائق، ولا بالبحث العلمي المتأني، ولا بالنقاش العام المفتوح للوصول إلى أفضل السبل، وأنفع الطرق والاستخدامات لهذه الإمكانات الرهيبة التي تتيحها هذه الشبكة العجيبة بدلا من أن تصبح مجرد وسيلة ترفيه أو صيد أو فخ ينصبه البعض للبعض؛ فيقع فيه من يقع، ولا ينجو منه إلا من رحم ربك، وقليل ما هم!! أتطرق اليوم لمفهومين أرجو أن يساهما في تسفير سلوك زوجك وتحديد موقفك منه التالي؛ فعندنا في أفكار مؤسس مدرسة التحليل النفسي سيجموند فرويد اقتراح بأن النفس تتكون من مكونات ثلاث: الأنا والهو والأنا الأعلى، وهذه ترجمات للكلمات اللاتينية: id, ego, super ego. وشرح هذه المفاهيم أمر يطول، ولكن "فرويد" تصور أن بداخل كل منا تعمل قوى ثلاث، مثلا دعينا نسمها كذلك؛ فهناك قوة أو مكون "الإيد – الهو"، ولست مقتنعا بالترجمة، وهذه القوة تتضمن الغرائز والرغبات والشهوات دون تهذيب أو ترشيد أو ضوابط أو حدود، وتتفاعل هذه القوة مع قوة أو مكون "السوبر إيجو" (الأنا الأعلى)، وهي قوة الضمير والقيم والضوابط والحدود الدينية والاجتماعية، ومن محصلة هذا التفاعل ينتج المكون الثالث وهو "الإيجو – الأنا"، وهي الذات الفاعلة الظاهرة أمام الناس، فإذا اعتمدنا هذا التفسير أفلا ترين معي أن الإنترنت استطاعت إطلاق "الإيد" ليظهر ويتفاعل مع الآخرين، فيتفاعل مستودع الرغبات والشهوات دون ضوابط أو حدود أو مراعاة لمقتضيات التهذيب أو الترشيد إلا ما ظل كامنا متجذرا في النفس من ضوابط أو أخلاقيات! تذكري أن تربيتنا رجحت الضبط الخارجي على الداخلي. المفهوم الثاني هو مفهوم الخيال؛ فما يقوم به زوجك في جزء منه أو أغلبه هو تجسيد تتيحه الإنترنت للخيال؛ فهو يتخيل نفسه بصحبة تلك الفتاة ذات التسعة عشر ربيعا، وكم ستكون شابة وشهية، خاصة أنها ذات خبرة بعالم الرجال كما ذكرت له... إلخ. تذكري أن الإنترنت أتاحت للإنسان أن يعيش الخيال مجسدا في الواقع الافتراضي أو الفضاء الإلكتروني، وليرسمه كل واحد يستخدم هذه الإمكانات، ويمكنه بالتالي أن يتجسد أمامه خياله الجنسي أو العلمي أو النفس؛ فهو الآن يعيش والخيال خارج رأسه، ويتحكم في تشكيل هذا الخيال وتقديمه، ولا أريد الاستفاضة في الشرح أو ذكر مفاهيم أخرى تدخل في حالة زوجك وغيره؛ مثل: اللعب؛ فزوجك يلعب ويتسلى مثل طفل، وقد أعادتنا الشبكة أطفالا على نحو ما نلعب بالإلكترونيات، أو كمن يعيش أفلاما درامية يخرج من أحدها ليدخل في آخر، وتذكري أن علاقة زوجك بتلك الفتاة المزيفة هي محض علاقة إلكترونية، ولا يمكن بالتالي اتخاذها دليلا أو معيارا أو إرهاصا على كيفية تصرفه إذا عرضت له فتاة مشابهة في عالم الحقيقة!! أسارع بالتنبيه على أنني لا أدافع هنا عن زوجك ولا أي استخدام ما للإنترنت في اللعب، أو عيش الخيال، أو إطلاق "الإيد"، ولكنني أحاول الفهم معكم ومن خلال الواقع الذي نعيشه جميعا. إذن ردود أفعال زوجك وأفعاله وخياله ولعبه وغرائزه وشهواته التي تظهر أمامك ليست هي حقيقة زوجك، ولكنها جزء من نفسيته فقط وليس كلها، ولعل صورته الآن أوضح وأكثر اكتمالا؛ فهو غالبا يحبك فعلا ولكنه في الوقت نفسه يلعب ويتخيل ويشتهي، وأذكرك أيضا أنك في معرض اختبارك له قد استخدمت نفس المداخل تقريبا مع اختلاف الهدف (ربما)؛ فأنت تلعبين وتتخيلين وتستخدمين نفس الأدوات والحيل؛ فهل يمكن اختصارك إلى مجرد كذب وتقمص ولعب؟!! ما العمل إذن؟! أحسب أن اغتراب زوجك وبعده عنك ليس بالوضع الأمثل بشكل عام، وليس الأمثل في الموقف الذي أنت فيه الآن، والأفضل أن تكونا معا كما ينبغي أن يكون كل زوجين؛ فما الذي يحول دون ذلك؟!! أيضا لا داعي للمزيد فيما يخص الاختبارات؛ فلن تكشف لك إلا ما أرجو أن تكوني قد فهمته الآن من لعب وعيش خيال وإطلاق غرائز دون ضوابط، وهي طبيعة الوسيط الاتصالي الإلكتروني المتمثل في الإنترنت، والأفضل تقييد استخدامه ما أمكن، وترشيد هذا الاستخدام أيضا بحصره فيما يفيد وينفع في عمل أو اتصال بينكما... إلخ. وأنت لم تذكري في أي بلد يعمل زوجك ويعيش؛ لأن فرص الترفيه والنشاط الاجتماعي وإتاحتها والاندراج فيها من شأنها تقليل فرص ومساحات ووقت التواجد في مساحة الإنترنت؛ بل إن وجود أنشطة واهتمامات هامة وجادة وحقيقية من شأنه جعل استخدام الإنترنت يصب في خدمة هذه الأنشطة والاهتمامات لا أن يكون عالما موازيا أو فناء خلفيا لمجرد الترفيه واللعب الذي قد ينقلب إلى مشاكل كما حدث ويحدث في حالة كثيرين. وفي مقابل هذا اللعب أجدك قد أخفيت بعض بياناتك مثل بلدك والبلد الذي يعيش فيه زوجك، وربما أيضا أخفيت أو أغفلت ذكر عمرك بدقة رغم أهمية هذه البيانات، ورغم أنه يتضح من لهجتك أنك مصرية!! على كل حال.. لم ينته كلامنا ومحاولات فهمنا عن الإنترنت وآثاره، والحوار مفتوح لتبادل الخبرات، وتحسين التحليل والتفسير، واقتراح الحلول والتدبير لتعظيم الاستفادة من هذه الإمكانية الفريدة بمساحات النفع فيها، ومساحات ومداخل الضرر؛ لنبتعد، ونحذِّر غيرنا، وبخاصة مع تصاعد استخدام الإنترنت وانتشارها لتدخل حتى إلى كل قرية عربية دون إدراك لطبيعة هذه المساحة الجديدة، وما ينشأ عنها من آثار سيئة لو لم يحسن الاستفادة منها.