الرئيسية

تربية الأبناء


معادلة المراهقة بلغة الكيمياء


البلوغ والمراهقة


إستشارات موقع أون إسلام


لدي مشكلة كبيرة؛ أنا أم لمراهق، لديه الآن 16 عاما ونصف، كان ابني حتى الإعدادية ملتزما متفوقا مطيعا، ويحفظ 3 أجزاء من القرآن، ثم اختلف في الصف الأول الثانوي "فأصبح كثير المشاكل". بالمدرسة يشكو منه مدرسوه؛ فهو عنيد معهم، كثير الهزار في الفصل، كثير المشاكل مع إدارة المدرسة، كنت أقف غالبا معه لأني أرى أنه صاحب حق. والده طيب لكنه ممن يسيرون على القضبان، لا يفعل إلا ما يريد في الوقت الذي يريد، هو وراحته، ثم أي شيء يكون بعدها، يريد من يتحمل عنه مشاكل الأولاد، يحب أن يعرف الأمور ولا يكون صاحب دور أو يفرض ما يراه، وهو "مودي" الطبع (ودود) يعيش بدماغ أبيه القديمة، يريد تربيتهم وفقا لما تربى عليه. ابني الآن بالثانوية الأمريكية، كسول لا يهتم بمذاكرته، ولم يحقق النتائج المرجوة. في أحد الأيام بشهر رمضان أفطر على سيجارة، وعندما عاتبته وذكرته بعقاب الله وأضرار السجائر وعدني بعدم العودة وأنها غلطة، وبعد فترة وجدت معه سجائر فرميتها، وحاورته ذاكرة أضرار التدخين، ووعدني ثانية. اكتشفت بعد ذلك ضياع "فلوس" من البيت أكثر من مرة في حدود (100، 50، 20)، فأخبرته عنها فأنكر وحلف، مع تأكدي أنه أخذها، أعرف ذلك من نظرة عينيه. كما أن له أصدقاء غير ملتزمين، حاولت إبعاده عنهم لكني فشلت. دائما يقولون له (مامتكم صعب.. تنفع بوليس). أحرص دائما على ألا يتأخر عن 11 مساء، يعلق على ذلك قائلا: (زي الكتاكيت). علاقته بأخته جيدة فهو يخبرها بجزء من أسراره، اتفقت معها أن تخبرني، ولن أقول له وذلك لمصلحته. مدرسوه الخصوصيون يشكرون ذكاءه وسرعة تحصيله، وفي نفس الوقت خلط الجد بالهزار، "زوغ" من الدروس أكثر من مرة، وعند مواجهته رد إلي "فلوس الدرس"، سواء لي أو لأخته عندما تخبره أنها عرفت، وماما ستتصل بالمدرس. علاقته بزميلاته جيدة، يأخذن كثيرا برأيه، ذووهم يشكرون فيه، وفي رجاحة عقله. عفوا.. نسيت أقول إنه أصبح غير محافظ على صلاته بانتظام، وعندما أسأله يرد: "صليت ماحدش يقولي صلي أنا مش صغير". ابني يحبني كثيرا، في هدوئه أشعر أنه طفل، ينام كثيرا في حضني، أقول له أنت كبير، يرد "انتي ماما". آسفة للإطالة، ولكني أخاف أن يضيع ابني، أخاف من مراوغته، ولا أعرف له صدقا من كذب، وليس له هدف، كل ما يريده أن يصبح غنيا جدا، مع أننا "مبسوطين"، والحمد لله أحسن من المحيطين بنا. آسفة مرة ثانية للإطالة، جزاكم الله عنا خيرا في الدنيا والآخرة. تقول أ/عزة تهامي السيدة الفاضلة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. نشكرك نحن أيضا على دعائك، وعلى ثقتك بنا، وندعوه تبارك وتعالى أن نكون عند حسن الظن بنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا. سيدتي.. كثرت الدراسات والحديث حول المراهقة وأزمتها، وما تسببه من مشكلات، بل من توتر وانفعالات في الأسرة بأكملها، الأمر الذي دعا كثيرا من الآباء إلى اللجوء إلى الأطباء النفسيين، إما لعلاج الآباء أنفسهم من جراء أفعال الأبناء، أو لعلاج الأبناء، أو كليهما معا، وهو ما دعاني أيضا إلى ملاحظة عدة أسر يكون من بينها مراهق أو اثنان؛ لعلي أكتشف شيئا جديدا جعل الأزمة تتفاقم إلى هذا الحد بين الآباء وأبنائهم المراهقين، وما لاحظته ليس بجديد، لكن على ما يبدو أنه كلما زادت المدنية زادت معها أزمة المراهقة. وكلما حالت الظروف بين أن يحقق المراهق ذاته سواء على المستوى الاقتصادي والاجتماعي بل والسياسي أيضا كلما تفاقمت الأزمة، وسأورد لك بعضا من أسباب هذه الأزمة على مستوى الأسرة (وليس على مستوى المجتمع؛ لأنه لا مجال للحديث عن هذه الأسباب هنا): 1. إن ما يحدث في فترة المراهقة للأبناء ما هو إلا نتاج طريقة وأسلوب توجيه الوالدين لهم في صغرهم (وهو نتاج فلسفة وسياسة المجتمع الذي يعيش فيه المراهق بالطبع، ولكن ليس هذا موضوعنا كما ذكرت). 2. إن قلق الآباء والأمهات وخوفهم على أبنائهم جعلهم أكثر ضغطا وتركيزا على أفعال وتصرفات الأبناء خاصة المراهقين منهم، وهذا القلق يتزايد مع التغيرات التي تحدث في المجتمعات خاصة الأخلاقية منها، مما يؤدي في المقابل إلى زيادة الضغط والتركيز على المراهقين، الأمر الذي لا يتفق مطلقا -بل ويتعارض- مع طبيعة وسمات مرحلة المراهقة؛ والتي تتسم بالبحث عن الحرية ورفض القيود، وبالتالي أصبح التصادم بين الآباء والأبناء عنيفا وقويا لم يعد يستطيع كل منهما تحمل نتائجه. 3. عدم ثقة الآباء والأمهات في نضج أولادهم بدرجة كافية تسمح لهم -أي الأبناء- في عدم الوقوع في أخطاء بسيطة كانت أو جسيمة، أو أن يكون لديهم من قوة الشخصية (إن صح هذا التعبير) على أن يقاوموا أي إغواء يتعرضون له خاصة من أقرانهم. 4. شعور الآباء والأمهات بالمفاجأة عندما يرون ابنهم المراهق وسلوكه المتمرد ورفضه ما يُملى عليه، وهو الذي كان بالأمس القريب طوع البنان إلى حد ما، ورغم ظهور كل علامات البلوغ، أو بعض منها على المراهق إلا أن الآباء يرفضون -ربما على المستوى العاطفي، أو بحكم التعود على رؤية الابن يوميا- الاعتراف بأنه كبر، مما يجعلهم دائما يتصرفون مع الأبناء على أنهم ما زالوا صغارا، يحتاجون كل ما يحتاجه الصغار من رعاية ومتابعة بل تتبع. 5. رؤية الأمور من زاوية مختلفة، واختلاف الاهتمامات والاحتياجات بين الآباء والأبناء، والذي يُعبر عنها بـ"اختلاف الأجيال"، وفي تصوري أنه ليس اختلاف أجيال بقدر ما هو اختلاف في الأدوار ومتطلبات كل دور. أظنك -سيدتي- قد بدأت تستشفين مما سبق ما أود أن أنبهك له، فلابد أن نعي أن قلقنا وخوفنا الشديدين، وترقبنا لأولادنا في كل صغيرة وكبيرة لن يمنع قدرا قدره الله لهم، وهذا لا يعني أننا نهمل أولادنا أو لا نوجههم ونترك كل شيء للقضاء والقدر ما دام مكتوبا عليهم، بالطبع لم أقصد هذا مطلقا، ولكن ما أعنيه أن هناك فرقًا بين المتابعة والتعقب، وبين التوجيه والتسلط، وبين الحب والامتلاك. الأمر يحتاج منك -سيدتي- مراجعة أسلوبك التربوي مع ابنك المراهق الذي أوشك على الرجولة، استثمري فرصة أنه يحبك، ويأتي إلى حضنك، وربتي عليه قائلة: "على رغم أنك كبرت إلا أن حضني يتسع لك، وأنني أفخر بأن لي ولدا جميلا مثلك يحضن أمه ويحبها" (هذه العبارة ومثيلاتها ستشعره بحبك وعطفك كأم، وتمنعه أن يحتضنك لمجرد أن يتحسس جسدك -عذرا- فهذا وارد في مثل سن ابنك). اهتمي بما يهتم به، وتحدثا معا عنه، وحاولي أن تري مزاياه بقدر أكبر مما تري به عيوبه، واذكري بعضا من سلوكه الطيب لوالده؛ وذلك رفقا بكليهما، ولتوطيد علاقة كل منهما بالآخر، بدلا من الشكوى المستمرة؛ فحينما يسمع الوالد كلمة شكر منك عن ابنه يشجعه هذا ويحفزه أن يستمع إليك فيما بعد ذلك، وحاولي ألا تتعقبي زلاته، وغضي الطرف الآن عن إهماله في المذاكرة (والحمد لله نحن في بداية الإجازة، فلا مجال للحديث عن المذاكرة الآن)، وعن تدخينه، وحتى عن عدم انتظامه في الصلاة، واستمري في ذلك فترة، ثم بلطف وتدرج شجعيه على أن يقضي وقتا مفيدا في ممارسة الرياضة، والالتحاق ببعض دورات التنمية البشرية المنتشرة في الوقت الحالي، وأن يبحث له عن عمل، واجعليه يشجع أصدقاءه على ذلك، وأشعريه بأن عليه مهمة توجيه أصحابه إلى الخير، والانتفاع بوقتهم بدلا من أن تقفي في وجهه معترضة على مثل هذه الصداقة، ألم يلفت نظرك -سيدتي- أنه مع أصحابه شخص مختلف تماما؛ ودود ومحبوب ورزين وعاقل، والكل يستشيره (معظم المراهقين هكذا)! ألم تسألي نفسك لماذا هو كذلك خارج المنزل؟! لأنه -وكذا معظم المراهقين- يحاولون أن يكونوا الشخصية التي يتمنونها، وأن يفرغوا ما تلقوه من خبرات وآداب وأخلاق لأصدقائهم، ويحاولون أن يعيشوا صورة رسموها وأحبوها لأنفسهم، ويتمنون أن يكونوا عليها؛ ولهذا السبب يفضلون التواجد مع أصدقائهم أكبر وقت ممكن، فالإنسان يشعر بقيمته مع من يقدرونه لا مع من يتلمسون أخطاءه ويتعقبونه ويذكرونه بنقائصه دائما. سيدتي.. إن ابنك رغم كل ما ذكرته من أخطاء وذنوب إلا أنه خيّر وبذرة الصلاح نامية فيه فلا تخنقيها. وإذا أردت أن ألخص لك ما سبق بلغة الكيمياء التي هي تخصصك: إن معادلة المراهقة المقبول والمحتمل خطؤها هي: حب وتفاهم + تقدير مشاعر واحتياجات + استثمار الوقت + حزم لكن عليك بالصبر والمثابرة، وعدم استعجال النتائج؛ فهذا من شأنه إفساد كل محاولات الإصلاح. تحدثتُ إلى أم كانت إلى وقت قريب تشكو من ابنها المراهق مر الشكوى كما يقولون، وقد أصبح الآن كما تحب أن تراه أو قريبا من ذلك (فنحن الآباء لا نرضى بأقل من الكمال من أولادنا)، فسألتها عما خرجت به من هذه التجربة وتلك الفترة التي كانت تطلق عليها (الفترة العصيبة) فقالت: أشعر أنني ضخمت الأمور أكثر مما ينبغي، ولو كنت تركت لابني فرصة لبعض الخطأ دون تعقب لكان الأمر أيسر بكثير، ولقصرت هذه الفترة المزعجة، ووفرت كثيرا من المجهود الذي ضاع في الشد والجذب. سيدتي.. حاولي -إذا كنت تخافين حقا ضياع ابنك منك كما ذكرت في آخر رسالتك- أن تستوعبيه في هذه الفترة.. ولا تضيعي ابنا كل ذنبه أنه يمر بمرحلة نمو طبيعية. وقبل أن أنهي معك الحديث أرجو أن تطلعي على كثير من الاستشارات التي تناولت موضوع المراهقة إلى جانب موضوعات عن كيفية استعادة دور الأب التربوي. في نهاية كل استشارة أدعو كل الآباء كي يتابعوا معنا مرات أخرى، ولكن في هذا المقام ألح في هذه الدعوة، وأرجو أن تستجيبي لها، مع الدعاء بأن يوفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى.