الرئيسية

تربية الأبناء


مص اللسان.. وإشباع حاجات الطفل النفسية


تربية الأبناء


إستشارات موقع أون إسلام


عندي ابنة أخت رائعة ذكية ونشيطة ومتفوقة في دراستها، عمرها 6 سنوات وشهران اسمها سارة، وهي الأولى في صفها بالإضافة إلى أنها خفيفة الظل لماحة وقوية الشخصية، لديها مشكلة لم نجد لها حلا منذ طفولتها المبكرة، وهي أنها منذ كانت رضيعة وهي تمص لسانها وقد سألتني أمها أن أسأل اختصاصيا فقلت لعلي أجد ضالتي عندكم. سارة لم تعتد يوما على لهَّاية أو مص الأصابع، وقد رضعت رضاعة طبيعية لمدة سنة على ما أذكر، ثم فطمتها أمها وأخذت الزجاجة لفترة حتى اعتادت على شرب الحليب من الكأس بعد عامين من عمرها تقريبا. المشكلة أنها تلجأ إلى مص اللسان عند النوم ومشاهدة التلفاز أو عندما تكون وحدها بدون اشتغال بشيء كالرسم أو اللعب. ما يقلق أمها أنها كبرت ولم تعد صغيرة وهذا بدأ يؤثر على أسنانها وفكيها وطبيبة الأسنان نصحت بإقناعها بالإقلاع عن هذه العادة ولكن كيف؟ آسفة للإطالة ولكن أحببت التوضيح، مع العلم أن أختي لا تستخدم العنف في تربيتها لأولادها وهي تحاول أن تسعدهم بكل ما لديها من طاقة، وشكرا لتفهمكم ولسعة صدركم وبارك الله فيكم. يقول د/حمدي عبد الحفيظ شعيب نشكر الله إليكم هذا الاهتمام بالمحيطين وأبنائهم، جعله الله في موازين حسناتكم. ونطمئنكم أن هذه المشكلة السلوكية للحبيبة سارة هي من المشاكل التي ترد إلينا كثيرا؛ والتي تزعج الوالدين، في هذه السن الجميل! ونبدأ في تحليل هذه المشكلة؛ وذلك من خلال الشكوى: 1- سارة ذكية ولماحة وطبيعية، وهي كذلك وأكثر بعون الله. 2- عادة مص اللسان عندها منذ صغرها، ولنا أن نتساءل؛ ولماذا تركتموها حتى هذه السن المتقدمة، أي إلى أكبر من ست سنوات؟ وكيف عالجتموها طوال هذه الفترة؟ وكيف تعاملتم معها؟ 3- سارة تمص لسانها عند النوم ومشاهدة التلفاز أو عندما تكون وحدها بدون اشتغال بشيء كالرسم أو اللعب، وهذا هو بيت القصيد، أو هذا هو المفتاح السحري لحل المشكلة. 4- الخالة الفاضلة - جزاها الله خيرا - هي التي بادرت وسألت واستفسرت وكتبت عن سلوك سارة المقلق، فأين دور الوالدين؟ وما الذي شغلهما عنها؟ وهل يكفي أن توصي الأم أختها وتفوضها لتسأل لها عن حالة سارة؟ هناك الكثير من المعلومات حول سارة وما يحيط بها ليس واضحا في الشكوى، وأنت كخالة معذورة في هذا. ولكن.. ماذا نعرف عن عادة مص اللسان عند الأطفال؟ إن عادة مص اللسان تعتبر إحدى الظواهر الشائعة جدا بين الأطفال، مثل مص الأصابع، واللعب بالأجزاء الحساسة والتناسلية. وهي تعتبر مقبولة وطبيعية من الناحية الطبية لمن هم دون سن الثالثة. أما بعد سن الرابعة فقد يكون تعلق الـطـفـل بلسانه أو بإبهامه أو بأصابعه هو المؤشر الوحيد على وجود بعض الأخطاء الوالدية والأحوال البيئية المحيطة بالطفل. فما هو مغزى هذه السلوكيات بعد سن الرابعة؟ قد يكون هذا السلوك يقع تحت هذه القاعدة: "إن أي سلوك غير سوي عند الأطفال؛ قد يكون مجرد سلوك طبيعي لمن هم في مثل سنه؛ أي قد يكون سمة وصفة لمرحلته العمرية إن نحن درسناها وفهمناها. وقد يكون مجرد رسالة رفض أو تمرد ضد خلل تربوي والدي أو بيئي يواجهه. وقد يكون مجرد مخرج للهروب من واقع نفسي أو أسري أو بيئي يواجهه. وقد يكون مجرد طريقة أو وسيلة دفاعية تجاه تعامل الآخر معه. وقد يكون مجرد سلاح هجومي ضد تعامل الآخر معه". فما هي أبرز أسباب هذه السلوكيات؟ قد تكون هذه السلوكيات مجرد دلالة أو مؤشر على وجود بعض الظواهر النفسية والأسرية والبيئية؛ مثل: (أ) القلق النفسي عند الطفل: 1. كالشعور بالوحدة والعزلة، بسبب الخوف من البعد عن مصدر الأمن والرعاية؛ مثل الانفصال عن الوالدين. 2. الشعور بالضعف الجسمي. 3. الشعور بالعجز الدراسي والتعليمي. (ب) الاضطراب العاطفي عند الطفل: مثل التوتر والمشاكل الأسرية، والغيرة بين الأبناء، وعدم التسوية بين الأبناء، ووصول مولود جديد. أو يكون بسبب الحماية الزائدة والتدليل الزائد. (ج) الخلل في نظام التغذية: حيث أسفرت الدراسات الموثقة عن هذه الحقائق المهمة: 1. قلة عدد الوجبات أي فترات الرضاعة: فقد أثبتت الأبحاث أن نسبة تعود الطفل الرضيع الذي ترضعه أمه كل ثلاث ساعات على مص أصبعه أقل بكثير مما هو عليه لدى الطفل الذي ترضعه أمه كل أربع ساعات. 2. قصر فترة الرضاعة: فمن الحقائق المهمة الأخرى التي أثبتتها البحوث الطبية أيضا أن الطفل الذي تقلل عنه فترة الرضاعة من عشرين دقيقة إلى عشر دقائق بسبب ضمور حلمة ثدي الأم أكثر عرضة للتعود على مص الأصبع من الطفل الذي يرضع فترة عشرين دقيقة. ولهذه الأسباب جميعا فإن أي عامل يؤدي إلى عدم اكتفاء الطفل من الرضاعة وعدم حصوله على الغذاء الكافي يؤدي إلى لجوئه لمص أصبعه كحالة من التعويض والتعود. 3. الرضاعة الصناعية: أثبتت البحوث الطبية أن الأطفال الذين يرضعون حليب الأم لا يتعودون على أصابعهم بالنسبة العالية نفسها التي لدى الأطفال الذين يرضعون من قنينة الحليب، والسبب أن الأم في هذه الحالة أكثر إحساسا بحاجة طفلها الحقيقية إلى الحليب، أما إذا بدأت محاولات الطفل مص أصبعه على الرغم من أنه يرضع من ثدي أمه فذلك يستدعي زيادة وقت الرضاعة. وقد تستغرب الأم متسائلة: هل أرضع طفلي طوال اليوم دون انقطاع؟ والجواب: لا، لكنها تتمكن من إرضاع الطفل بحيث لا يزيد وقت الرضعة على أربعين دقيقة؛ لأن الطفل يأخذ كمية كبيرة من حليب الأم في الدقائق العشر الأولى من الرضعة أما ما يتبقى من الوقت فإنه يرضي حاجته إلى المص مع كميات قليلة جدا من الحليب، وبعبارة أخرى إن كمية الحليب المعطاة إلى الطفل خلال فترة رضاعة 35 دقيقة قد تزيد قليلا عما هي عليه خلال فترة رضاعة 20 دقيقة. وهذا ما يثبت وبشكل قاطع أن الرضاعة الطبيعية تتكيف مع حاجة الطفل. 4. الرضاعة من قنينة الحليب: تبدأ عادة مص الأصبع بالتكون لدى الأطفال الرضع بواسطة قنينة الحليب حالما يبدءون في التعود على إنهاء حليب القنينة الواحدة في فترة عشر دقائق بدلا من عشرين دقيقة، ويحدث هذا بسبب تعاظم قوة عضلات المص لدى فم الطفل عند النمو بالإضافة إلى أن حلمة قنينة الحليب البلاستيكية سرعان ما تكبر فتحتها مما يؤدي إلى قلة فترة الرضاعة ويستدعي إبدال حلمة القنينة الجديدة بالقديمة لنضمن فترة أطول من الرضاعة ترضي حاجة الطفل إلى المص، ولا يعني ذلك أن تكون فتحة حلمة القنينة صغيرة جدا مما يؤدي إلى صعوبة الرضاعة. (د) عدم إشباع الاحتياجات النفسية عند الطفل، وأهمها هنا: 1. الحاجة إلى الحب والحنان. 2. الحاجة إلى الدعم الإيجابي؛ مثل التقدير والتشجيع. 3. الحاجة إلى اللهو واللعب والترويح والترفيه. 4. الحاجة إلى الحرية؛ مثل اختيار طعامه وملبسه وسماع رأيه. 5. الحاجة إلى الانتماء؛ كالدفء الأسري والحماية الاجتماعية. 6. الحاجة إلى الأمن والاستقرار الأسري. 7. الحاجة إلى التوجيه؛ والترشيد والتقويم والتصحيح. (هـ) تنفيس الطاقة الزائدة. (و) الإصابة ببعض الأمراض العضوية والجسمية؛ مثل: ضيق التنفس والتهاب اللوزتين وسوء الهضم واضطرابات الغدد. ويصاحب هذه العادة السلوكية عادات مضطربة أخرى، تجمعهم سمة أنها جميعا نفسية المنشأ! فهي محاولة من الطفل - دون أن يعي - التخفيف من حدة التوتر الذي يحس به! وبعض هذه العادات أكثر مضايقة للأهل من عادة مص اللسان والإبهام ذاتها، ومن هذه العادات السلوكية: (1) شد الشعر: حيث يقوم الطفل بوضع أصابعه بين ثنايا شعره وشده، وذلك على فترات، أو يقوم بلف خـصـلات مــن شـعـره حول أصبعه أو أصابعه بطريقة عصبية متوترة واضحة للعيان دون أن يحس بها هو نفسه. (2) قضم الأظافر. (3) أرجحة الجسم. (4) صرّ الأسنان، والقرض على الضروس والأنياب. (5) ضرب الرأس، سواء باليدين أو في الحائط أو في الأرض. (6) فرك أجزاء الجسم كاليدين مثلا. ويمكن القول بأن هناك الكثير من الأساليب السيئة وغير التربوية للتعامل مع هذه الظواهر؛ وهي: (1) الزجر العنيف. (2) السب؛ خاصة أمام الآخرين. (3) الضرب. (4) اللوم الدائم والمتكرر. (5) عدم التعاون والتنسيق بين الوالدين وكل القائمين على تربية ورعاية الطفل. (6) عدم مشاركة الأبناء في فهم حالتهم، وفي زيادة الفاعلية عندهم والإيجابية والذاتية في العلاج. (7) إشعار الطفل أن وسيلة علاجه؛ ما هي إلا وسيلة عقاب!! (8) إشعار الطفل بأنه شاذ وأضحوكة بين أقرانه. وأخيرا.. أبرز طرق علاج هذه الظاهرة: يجب بداية استشارة الطبيب الاختصاصي ومعاونته، وتعاون كل من يتعامل مع الطفل. ومن ثم معالجة السبب، وهذا يتم من خلال المحاسبة النفسية، فليجلس الوالدان معا وليفتشا عن السبب الدفين لهذا السلوك المقلق. ثم بعد ذلك فليقوما بعلاج السبب. على الوالدين ألا يتصرفا بانفعال عند رؤية سارة تمص لسانها أو إبهامها، ولا يحاولا ضربها أو زجرها، خصوصا أمام الآخرين أو محاولة جذب أصبعها خارج فمها، يستثنى من هذه الحالة أن يحدث هذا أثناء نوم الطفل ولا بأس من إخراج إبهامه من فمه برفق. كما لا يجوز جعل الطفل أضحوكة في البيت بسبب هذه العادة أو معاقبته أمام الآخرين. من المهم أيضا تجاهل سلوك الطفل، فلا تلفت نظره إلى ما يضايقك؛ فيتمسك به كسلاح يرد به على أخطائك معه، وذلك خاصة قبل سن السادسة. وعلى الوالدين زيادة الوقت الذي يقضيانه مع الطفل ولا يشعرانه بالحرمان الاجتماعي، فعليهما ملء وقته بما يشغله من أمور نافعة تتناسب مع عمره كاللعب أو التدريس مثلا. بالإضافة إلى شغل يديه، باللعب أو الكتابة وذلك بما يناسب سنه. ويمكن للوالدين أيضا تشكيل سلوك الطفل، وذلك بتعزيز سلوكه في الفترات التي لا يمص فيها لسانه أو إبهامه! فكلما زادت الفترات التي يقلع فيها عن مص إبهامه خلال فترة زمنية معينة (أسبوع مثلا) أو قل عدد المرات التي يمص بها إبهامه في نفس الفترة يعطى الطفل جائزة معنوية أو مادية؛ كأن يعطى كل أسبوع شارة (نجمة ورقية ذهبية اللون) تلصق في كراس خاص له وعندما يجمع عددا معينا منها يعطى جائزة بسيطة؛ كقلم أو قصة للأطفال لتشجيع سلوك الإقلاع عن مص أصبعه. وعلى الوالدين تحريك الفاعلية الذاتية لدى طفلهما، فعليهما توجيهه وشرح إمكانية حدوث تشوه في الأسنان إن هو استمر في هذه العادة، على أن يناسب أسلوبهما الأطفال في سن المدرسة. وإن أراد الوالدان استخدام العقاب فعليهما العقاب بحكمة، وإشراك الطفل في تقرير شكل العقاب الذي سيقع عليه ويقوم بتنفيذه، وهذا سيعمق الفاعلية في تنفيذ الأحكام! ومن المهم ملاحظة الطفل إن كان ممارسة هذا السلوك مرتبط لديه بشيء أو موقف أو ظرف معين، حتى يتم منع هذا المثير وإبعاده فورا. ومما يؤثر على الطفل أيضا بث روح الفريق والجماعية، فيسمح للطفل بالاختلاط بمن هم في سنه. مع إشعال روح المنافسة والتحدي لديه من خلال بث روح التحدي فيه لتغيير سلوكه المعيب من المحيطين. أطلنا عليك أختنا الفاضلة، ونسأل الله أن يكون ردنا مفيدا لك ولوالدي سارة، وفي انتظار متابعتك.