الرئيسية

تربية الأبناء


لبس الحجاب" ليس معركة"


البلوغ والمراهقة


إستشارات موقع أون إسلام


أريد الحجاب.. وأمِّي تمنعني ولكن الآن وبعد محاولات أخرى في التحدث مع أمي حول الموضوع؛ فإنني أرى أن المشكلة ربما تكون تربوية، حيث إن أمي لا تجيبني قطعيًّا عندما أحدِّثها حول الموضوع، أو أي موضوع آخر، أجده مخالفًا للشرع؛ حيث إنني آخر مرة حاولت أنا وأختي التي تصغرني بعام واحد إقناعها بضرورة أن نرتدي الحجاب فلم تُجِب ولا بأي كلمة، وأيضًا لم تجب عندما حاولنا الاعتراض وعدم مرافقتها في الذهاب إلى الأعراس التي تمتلئ بالمحرمات، مع أنني أحدِّثها بطريقة جيدة وأختار وقتًا مناسبًا أيضًا. إنني حقًّا أريد ارتداء الحجاب لما أرى في ذلك من واجب ديني في الدرجة الأولى، ثم من أهمية في المجتمع الذي أعيش فيه، علمًا أن أبي رفض التدخل في الموضوع. ساعدوني في معالجة الوضع مع أمي، ومن أي جانب آخر فيه نقص عندي، وجزاكم الله خيرًا سلفًا. انتهت ابنتي الكريمة، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كم كانت سعادتنا بمحاولة استقصائك لكل ما يمكن أن يؤدي إلى تأدية واجبك نحو الله تعالى "ارتداء الحجاب.."، كما وصفتِه بقولك: "واجبي الديني"، تملكتني السعادة وأنا أقرأ قولك: "أريد حقًّا ارتداء الحجاب.."، سعادة بوعيك وأنت تصفين إدراكك ووعيك بأهميته كواجب ديني وكضرورة مجتمعية.. وتذكرت على الطرف الآخر تلك الرسالة التي بعثت بها إحدى الأمهات تشكو رفض ابنتها لارتداء الحجاب، وهي تسأل في مرارة وألم: "وكيف أقنع ابنتي..؟". ابنتي لن أتوقف عند كلماتك التي شرحت فيها محاولاتك الجاهدة لإقناع والدتك، وصمتها حيال رغبتك أنت وأختك، ولكن سأمسك طرف الحديث من آخر كلماتك "ساعدوني.. ومن أي جانب فيه نقص عندي..". ذلك يا ابنتي ما أودُّ أن أشرحه لك، فنعم ما زال عندك نقصٌ في أمور لم تفعليها، لمحت هذا في كلماتك المعبرة عن محاولاتك "حاولنا إقناعها..، حاولنا الاعتراض.."، ولن أشرح لك بالكلمات أين الخلل، بل سأقصُّ عليك حكاية ربما تفهمين منها بعض ما أريد. ربما سمعت عن الشيخ أحمد القطان، وهو داعية كويتي، حكى في إحدى كتبه قصة التزامه وما لاقاه من معارضة والده، وما بذله من محاولات جاهدة لإقناعه لفظيًّا بالكلمة والموعظة الحسنة، لكن لم تفلح الكلمات، ولا المواعظ، ولا أساليب الإقناع الحكيمة في صدِّ الوالد عن اعتراضه.. وتمرُّ الأيام بمرض والده بمرض أوهن جسده، ونال من قواه حتى ما كان ليقوى على الذهاب إلى الحمام لقضاء حاجته، فكان ولده الداعية يحمله في كل مرة يريد فيها قضاء حاجته، وربما أعجلت الوالد حاجته في بعض المرات فيقضيها على يد ولده، فما كان من الداعية إلا الصبر على والده، واحتمال مرضه وضعفه ببرٍّ، وإيمان، ورضًا، محتسبًا متمنيًّا أن يحظى ببعض ثواب برِّ والديه. ويبرأ الوالد ليقارن بين احتمال ولده الداعية وغيره له، وليدرك الوالد أن ما أصبر ولده عليه هو شيء مختلف طرأ على ولده، وهو الالتزام، والأصحّ أنه العيش بهذا الالتزام بالفعل قبل الكلمات، وهذا ما أريد منك أن تفعليه. وتذكَّري وأنت صغيرة لا تعين شيئًا، هل انتظرت والدتك حصولك إلى الوعي بحبِّها لك أم قدمته لك من أول يوم إحساسًا وشعورًا، فهمتِ أنت وترجمتِه عندما عقلت معنى الكلمات، وبالتالي: - دعي محاولات الإقناع اللفظي وكفى الكلام، فما عاد يفيد مع وجود الشرخ الذي وُجِد في علاقتك بأمك، فأنت بكلماتك ومواعظك التي تخاطب عقلها دون قلبها، بقول دون فعل قد وتَّرت علاقتك بها، فهي تسأل نفسها: ما هذا الالتزام الذي سيقلب كل ما صنعت، فبعد أن كانت ابنتي تسمع كلماتي تريدني أن أسمع كلامها باسم الالتزام، بعد أن كانت طوع يميني تتمرد عليَّ باسم الالتزام، بعد أن كنتُ مصدر معرفتها وفخر ثقافتها أصبحت تعلوني وتكسرني باسم الالتزام.. فأي شيء هذا "الالتزام" الذي سيقلب حياتي، وينزع عني سلطاني، ويصيبني في تعب عمر مضى وعمر آت رهن على بناتي؟!! لا بد إذن أن أحارب وأعترض عليه. ولأن والدتك تتمنى لك كل خير، ولأن ما من أم إلا وتتمنى أن تتسلَّح بناتها بما يحميها في هذا المجتمع المتقلب المليء بالذئاب البشرية - كما تراه كل أم -، فهي لا تجد ما تعترض عليه، ولا تحتمل في نفس الوقت أن يأتي من ينتزع سلطانها على بناتها، وحيال ما تعانينه من صراع لا تجد إلا "الصمت". - وبالتالي اتجهي إلى تصحيح هذه الصورة، وإلى طمأنتها إلى هذا الالتزام بطاعة الله سبحانه وتعالى هو جزء من منظومة ربَّانية، يعني الالتزام بشيء منها الالتزام بكل أوامر الله ونواهيه، وعلى رأسها "برّ الوالدين" الذي يأتي بعد توحيد الله مباشرة. - اتجهي إلى فعل ما تحبه وتريد ويعجبها هي، نعم أنت تصنعين الكثير، لكن ربما ليس ما تحبه وما يهمها هي، ربما هناك اختلاف في وجهات نظركما. قد تظنين أن محافظتك على الصلاة، وحمد نعم الله هو يسعدها، أجل يسعدها، لكن كما أن هناك أشياء بسيطة تعجب البنات "وأنت أعلم بذلك" هناك أشياء صغيرة تسعد الأمهات أو تكدر عليهن صفو حياتهن، وأشدُّ ما يقسو عليهن كلمات "الاعتراض" والشعور بأنهن ما عُدْن قادرات على السيطرة على بناتهن، شعور الغيرة القاتلة أن هناك من صوته أعلى عند بناتهن من صوتها. - لذا لا تحاولي الاختلاف معها، وإذا اختلفتما حول شيء مهما قلَّ شأنه فكرِّري على مسامعها "أمي لن أعمل أي شيء إلا إذا كنت راضية"، وكوني صادقة في ذلك. قولي هذا لها، وأنت تجلسين على ركبتيك وتضعين يديك على قدميها، تلمسين كفيها وتقبِّلينها، ثم تحركين لتقفي خلفها مقبِّلة رأسها، وواضعة يديك على كتفيها. - لا تنسي تقبيل يديها في كل صباح ومساء، وهناك أشياء أخرى تسعدهنّ، مثلاً عندما تطلب حذاءها أسرعي بها، وانحني بحسدك كله لتضعينه عند موطئ قدميها.. حبيبتي لن أحيرك "هل تذكرين ما كانت تفعله معك وأنت صغيرة؟" ربما بعضه افعليه أنت الآن معها وسأساعدك: - تعهُّد ملابسها وجواربها، والاطمئنان على كيِّهم ونظافتهم. - كوب من الشاي الدافئ في ساعة العصر تحضرينه لها دون أن تطلب منك. - مساعدتها في ترتيب أغراضها وإحضارها من السوق. - حمل عبء متابعة كي ونظافة ملابس والدتك، ومحاسبة من تتعاملون معهم من البائعين ممن يحضرون لكم الطلبات حتى باب البيت. - تعهُّد مذاكرة أحد إخوتك الصغار تكونين مسؤولة عنه مسؤولية كاملة. ملابسه، مذاكرته.. متابعة أصدقائه.. أحواله.. ولتتعهد أختك الأصغر أخًا آخر. - ولا تنسي تحضير منضدة الطعام. - لماذا لا تهيئي لها الجو لتأخذ إجازة قصيرة ولو ليوم واحد مع أبيك، وتتعهدي أنت إخوتك في هذا اليوم. - ولا تنسي أشياء بسيطة قد تفعلينها دون قصد تغضبها، مثل إطالة الحديث في الهاتف – التحدث بصوت عالٍ - مصاحبة فتاة لا ترضى عنها، ولن يضرك عدم الحديث عنها أمام والدتك. أيضًا مسألة ترك غرفتك دون ترتيب أو نظام، وعدم تعهُّد نظافتك وجمال شعرك بالعناية، عدم إجابتها عندما تطلب منك فعل شيء وأنت مشغولة بشيء آخر، مثلاً تطلب منك إخراج الملابس من الغسَّالة ونشرها بينما أنت مشغولة بمتابعة برنامج مهم، أو تتحدثين حديثًا شيقًا ومثمرًا مع صديقة جاءت لزيارتك فتقولين "حاضر سأفعل"، بينما يأخذكم الوقت ويغضبها ذلك، فلماذا لا تطيعينها في الحال، وتعطين صديقتك درسًا في برِّ الوالدين، وتحضري الغسيل، وتنتقلي مع صديقتك إلى جلسة الشرفة تتحادثان، وأنت تصنعين ما تودُّه والدتك. - لا تملِّي من تكرار كلمات الشكر والثناء لها، وعلى كل ما تصنع من طعام أو شراب، وحتى على ملابسها وعلى ذوقها في اختيار كل جديد. - لا تتدخلي أبدًا في قراراتها إذا حضرت تعاملها مع أحد إخوتك، حتى وإن كانت مخطئة في قرار منهم، بل داوي الموقف، وخذي أخاك أو أختك وقولي له/ لها أمك تحبك، ولهذا فعلت ما فعلت فهي تريد الخير لك.. هي أعلم منا بأشياء لا نعرفها؛ لأننا ما زلنا صغارًا.. هي فقط غاضبة مما فعلت، وعندما تهدأ ستعود إلى سابق عهدها، عليك أن تعتذر لها، تعالَ ماذا طلبت منك هيا نصلحه سويًّا.. - اجعلي شعارك من كل ما سبق وهدفك إعادة علاقتك بوالدتك إلى سابق عهدها، وبالتالي حاولي أن تكوني مريحة، واسمعي منها أكثر ما تُسْمِعيها وأكثر مما تتكلمين، لَكَما قلت لك ما من أمٍّ تحب أن تكسرها ابنتها بمعرفتها أكثر منها، وبالتالي عليك القناعة بأنه من الصعب أن تصلِي إلى غرضك بالقوة، وخصوصًا أنك ما زلت صغيرة، وأنا أعرف أمثلة لبنات كثيرات وضعن أهلهن أمام الأمر الواقع، ولبسن الحجاب رغمًا عن أهلهن، ولكن النتيجة استمرار توتُّر علاقتهنّ بذويهن لسنوات، وأنا شخصيًّا وقعت في هذا، ولكن بعد جهد جهيد لسنوات وسنوات استطعت علاج هذا الشرخ بأشياء بسيطة "فعلت ما تحبُّه أمي، وسمعت منها أكثر مما أتكلم معها، أشياء بسيطة كالتي فكرت معك فيها". - وشيئًا فشيئًا سيصلح ما بينكما، وعندما تكون أمك مستعدة للسماع منك، ابدئي في الحديث معها بشكل مختلف، وكوني على يقين أن الأمهات أضعف البشر قلوبًا أمام فلذات أكبادهنَّ، فستلين بسرعة، وستعود لسابق عهدها. - ويتوازى مع حديثك المختلف أن تمهِّدي للبس للحجاب، فبالتدريج أطيلي كُمّ ملابسك، وكذلك طول فستانك، لكن عليك الانتباه إلى اختيار الألوان الجميلة المفرحة والمحتشمة أيضًا، واختيار موديلات تليق بسنِّك، حتى تعلم والدتك وترى أن التزامك يزيدك جمالاً، وتألقًا، وطاعة، وألفة، ويمكنك الاستعانة بصديقة لوالدتك في هذا الشأن أو خالتك ممن يتمتعن بحسن الذوق، وكذلك فهمك وفهم ما تودِّين صنعه. - ولا تنسي من وقت لآخر إحضار هدية بسيطة، ويا حبذا لو كانت من صنعك، وعلَّمتها لك مدرِّسة فاضلة أو خالتك.. لتقدمينها لوالدتك لتشعر أو تستشعر قيمة التحول الذي سيُحْدِثه التزامك في نفسك، وفي بناء شخصيتك؛ لتشعر أنه شيء سيعينها على تربيتك، لا شيء سيأخذك منها. ابنتي الحبيبة.. الالتزام ليس معركة، وإنما بناء لبناتك فيها طاعة أمك، والبُعْد عن كلمة لا، وإستراتيجية التدريج، وبالتدريج ستلين والدتك إذا ألنت الجانب لها، وتذكَّري قوله تعالى: "أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين..."، فاخفضي جناح الذِّلَّة لها من الرحمة، وقولي دائمًا: اللهم ارحمها كما ربَّتني صغيرة.. اللهم اهدِها. كل ما ذكرته لك أسباب أرضية لا بد أن تستحضري فيها النية لله تعالى حتى يعينك، وأن تصديقه الإخلاص فيها، ولا تنسي ركعتين قبل الفجر تدعين فيها دائمًا أن يفتح الله بينك وبين والدتك بالحق فهو خير الفاتحين. تذكَّري الالتزام ليس معركة يرفع أحد طرفيها راية الاستسلام، بل هي سفينة حياة، على الجميع أن يرفعوا فيها راية الإسلام.