الرئيسية

تربية الأبناء


كيف تكسب ابنتي الصديقات وتتجنب أذاهن؟


تربية الأبناء


إستشارات موقع أون إسلام


أتوجه بالسؤال للأستاذة مي حجازي التي طالما أبهرتني بردوها العبقرية على أسئلتي السابقة والتي أفادتني نصائحها كثيرًا، أما سؤالي هذه المرة فهو بخصوص ابنتي(5 سنوات) والتي أرى فيها ميلاً للانقياد لزميلتها في المدرسة وليس فقط المدرسة، بل إن فرض السيطرة عليها وتطويعها من أي صديقة لها في المدرسة أو خارجها أمر سهل وميسور للغاية، أريد أن أجعلها قيادية لا يسهل إيلامها بكلمة "مش هاأصاحبك" التي تذلها بها صديقتها في المدرسة لتبكيها وتدمرها، أريد أن يصعب على أحد فرض سيطرته عليها والعبث بمشاعرها وإذلالها وإملاء الأوامر عليها، أريد أن تكون هي الأقوى والقيادية لأنها طيبة جدًّا ورقيقة ولا تميل لإيذاء مشاعر الآخرين كما يفعل معها، لكنها مؤخرًا أصبحت تفعل في أبناء أقاربنا من الصديقات لها في نفس السن واللاتي يحببنها جدًّا نفس الشيء، فتستخدم نفس الجمل التي تؤلمها من صديقاتها لتفرض رغباتها عليهن معتمدة على حبهن لها وثقتها أنهن لسن كصديقات المدرسة التي تعود من المدرسة غاية في السعادة حين يرضون عنها.. ساعديني وشكرًا. تقول د. مي حجازي مرحبًا بك أختنا الحبيبة، ومرحبًا بطفلتك، وشكرًا لمجاملتك الرقيقة التي أسعدتني كثيرًا لما أكدته لي من إيجابية صدى ما نجتهد في تقديمه، فضلاً عما أكدته من صداقة وعلاقة وتواصل حميم مع زوار صفحتنا الذين يتابعون ويتواصلون معنا. أبدأ حديثي معك مؤكدة على أمر هام وهو أن سمات الشخصية تختلف من فرد لآخر لأسباب كثيرة أخص منها بالذكر ما يفيدنا تتبعه في حالة ابنتك وهي: 1 - الاستعدادات الوراثية التي يحملها معه الطفل من لحظة الميلاد. 2 - التربية والمواقف التي يمر بها الإنسان من لحظة ميلاده مرورًا بظروف رضاعته وفطامه وكلامه، ثم دراسته وتربيته واحتكاكه بوالديه من حوله؛ فكل تلك المواقف هي تراكمات تشكل مع تراكمها شخصية الإنسان. وسأوضح كلامي بتفصيلات أوفى فيما يلي: في تتبعنا لحالة ابنتك سنضع أولاً احتمالات تبرر ميلها للانقياد أو سهولة السيطرة عليها من ناحية العاطفة، لنتمكن من التغلب على الأمر بعلاج تلك الاحتمالات: الاحتمال الأول: كون الشخصية قيادية أو انقيادية أمر أميل إلى تبريره بنسبة كبيرة بالاستعدادات الوراثية لدى الطفل؛ فلو تتبعت شجرة العائلة من الأخوال والأعمام والجدود وأنت ووالد الطفلة، ستجدين حتمًا -إن كان هذا الاحتمال واقعًا تعيشه طفلتك- من يتشابه في مواصفات شخصيته مع شخصية ابنتك، وقد ورثت منه ابنتك استعدادها الوراثي لما تصفينه من مواصفات شخصيتها، وما يمكننا الاستفادة منه إن اعتمدنا على هذا الاحتمال في تبرير حالة ابنتك هو وضع برنامج للتعامل مع الطفلة وتوجيهها وتوعيتها يعتمد في كل مكوناته على الرفق والهدوء الشديدين، باعتبار أن التغيير هنا هو كالسباحة في عكس التيار. الاحتمال الثاني: والافتراضات التي يمكن الاعتماد عليها باستبعاد مسألة الاستعداد الوراثي والتي لها علاقة وثيقة بتنشئة الطفلة، وتربيتها وما تعرضت له من مواقف داخل وخارج نطاق الأسرة هي كما يلي: 1 - شعور الطفلة بالاحتياج والفراغ العاطفي قد يرجع لخلل ما في علاقتها بك أو انشغالك عنها أو عدم تلبية احتياجاتها العاطفية التي تضمن لها السواء النفسي. 2 - تعرض الطفلة للردع أو المعاملة القاسية في عملية تهذيبها، مما قتل لديها القدرة على الاعتداء نهائيًّا حتى ولو برد العدوان عن نفسها وعن مشاعرها؛ فأصبحت بتعبير دارج "مقلمة الأظافر". 3 - شعور الطفلة بنقص ما قد يكمن وراءه تفوق الأطفال عليها دراسيًّا، أو عدم قدرتها على مواكبة من حولها، أو كبرهم عنها في السن، أو تمييز المعلمة لآخرين عليها.. أو غير ذلك. وما يجب على التأكيد عليه قبل تقديم مقترحاتي لك لتجاوز هذه المسألة هو أن إعادة ابنتك للعب الأدوار مع الآخرين -فتتقمص دور صديقاتها اللاتي يمارسن سلطاتهن عليها مع أبناء الأقارب- يعد فرصة مناسبة جدًّا للتنفيس والتوحد مع المعتدي عليها ومن يوحي لها بالتحكم في سعادتها ومشاعرها باللفظ أو بالفعل، وهذا التنفيس يخرجها بلا شك من دائرة الرفض واللفظ التي قد تستشعر أنها تعيش داخلها بسبب هؤلاء الصديقات. والأمر الآخر الذي أحب أن أؤكد عليه هو أنه لا يجب أن يكون أبناؤنا كما نتمنى بالضبط، ولا ينبغي أن نفرض عليهم نموذجًا معينًا من التصرفات أو المشاعر وإنما هم في حاجة للتجريب من جهتهم والتوجيه من جهتنا كمربين وليس النقد والهجاء لتصرفاتهم أو أبداء الاستياء منها. ومقترحاتي للتعامل مع الابنة فهي برنامج له أربعة محاور: المحور الأول: المواساة وتضميد الجراح. المحور الثاني: معايشة الموقف مع الطفلة وأشعارها بالتضامن. المحور الثالث: صرف انتباه الطفلة وجزء كبير من طاقتها ومشاعرها لتنمية قدراتها والتفوق فيها. المحور الرابع: بث الطفلة الاستبشار والأمل دائمًا في غد أفضل. وتعالي نتناول كل محور منها بالتفصيل: أقصد بالمواساة وتضميد الجراح احتضان الطفلة وإشعارها بالأمان في حضنك، وذم السلوك -وليس الأشخاص- الذي يسبب لها الألم، وملء أذنيها وقلبها بعبارات مثل "ولا يهمك أنت في حضن ماما التي تحبك وتعرف كم أنت جميلة". أما المعايشة وإشعار الطفلة بالتضامن فيكون بالحديث مع الطفلة دائمًا بلغة الجمع، بمعنى "يجب أن نضع خطة تضمن لنا ألا يتكرر هذا الموقف، ولو تكرر فلا داعي أن نحزن حتى لا يفرح الشيطان بحزننا، بل نحاول كل مرة أن نكون سعداء دائمًا". والمحور الثالث فهو ما سيساهم وبقوة في بث الطفلة ثقة بنفسها وبقدراتها وشعور بالقدرة على الاستقلال والاستغناء -ولو جزئيًّا- عن الآخرين، كما سيمنحها فرصًا كثيرة لصداقات كثيرة وعديدة من خلال ممارسة الأنشطة المتنوعة في مختلف الأماكن (مسجد - مكتبة - نادي - مركز نشاط صيفي... إلخ). والمحور الرابع هو ما يجب أن يسود تعاملاتك باستمرار مع ابنتك، فعند الفشل أو الحزن لا بد أن تشعر الطفلة أن النجاح ينتظرها غدًا، وما فقدته اليوم ستعوضه غدًا.. وإن المحاولة والإصرار تضمن السعادة حتى في تكوين العلاقات مع الآخرين. وأخيرًا فلا بد من تجنب إظهار الاستياء للطفلة أو الشفقة عليها، والشفقة تختلف عن التضامن، بل يجب حثها على القوة بلطف وهدوء، مثل نصحها بالموقف المثالي حينما يهددها أحد بتركها وخصامها، وهو مثلاً -من وجهة نظري- أن تشكر صديقتها بكل ود، وتلعب مع طفلة أخرى وفي صحبة جديدة، والتأكيد عليها أن الله تعالى سيرسل لها من هم أفضل وأجمل للعب معها طالما أنها لم تخطئ في حق أحد. وتضيف دعاء ممدوح من فريق الاستشارات التربوية: أختي الكريمة/ لقد كانت -وما زالت- لي مع ابنتي تجربة مشابهة تمامًا لما تصفينه مع ابنتك، وكنت وأنا أقرأ سطورك أشعر أنك تتحدثين عن ابنتي أنا؛ ولذا أحببت أن أتبادل معك بعض المقترحات للتعامل مع ابنتك.. وأظنها ستفيدك كما أفادني تطبيقها، في تطوير ابنتي اجتماعيًّا بشكل ملحوظ وتجاوزها للعديد من مشكلاتها في التواصل مع الآخرين. أما مقترحاتي للتغلب على تلك المشكلة فهي كما يلي: 1 - محاولة زيادة ثقة الطفلة بنفسها بكل وسيلة ممكنة. 2 – لا بد من اهتمامك بهيئة الطفلة -وهي نقطة قد تغيب عن كثيرات- فالبنات يرقبن بعضهن البعض من السن الصغيرة جدًّا، ويعقدن مقارنات في طول الشعر ولونه ونعومته وتسريحته وجمال الملابس والحقائب والأقلام وغيرها؛ لذا احرصي أن يكون مظهر ابنتك دائمًا متألقًا، وأن تكون أدواتها وملابسها وتسريحتها مما يبعث في نفسها الثقة بمظهرها والشعور بالكفاء. 3 - احرصي على التعرف على أسر صديقاتها وأمهاتهن وعقد لقاءات أسرية تحت إشرافكن كأمهات؛ لتشعر ابنتك بالنصرة ولذة التواجد مع مناصريها وذويها أثناء تعاملها مع صديقاتها -هذا من جهة-، ومن جهة أخرى لكي يرقب صديقاتها وجودك ونصرتك لها ويشعرون بأبعاد كثيرة للعلاقة، فمن الطبيعي أن من تعرفينه معرفة سطحية يختلف في منزلته عمن تربطك به علاقة أسرية أو قرابة أو تزاور وتواصل قوي.. ليسوا سواء. 4 – لا بد من اختيار أوقات مناسبة ومتنوعة وكثيرة للحديث مع الطفلة عن عطايا الله ونعمه، وجمال شكره وأثره في زيادة النعم، ودعمي ذلك بالقصص مثلاً أو التجارب الشخصية. 5 – لا بد من الحديث أيضًا عن حكمة الله في الاختلاف بين الناس ليتكاملوا؛ وإن الله عز وجل يعطي كل إنسان قدرًا من النعم يكفيه ويسعده ويعطي لغيره قدرًا مساويًا، وإذا نقص شيء عوضه شيء آخر فمن ينقصه الجمال قد يزيد عنده الذكاء أو القوة أو الصحة أو المال ومن ينقصه القوة قد يزيد عنده الصبر والحلم أو المال أو الصحة، والمهم أن يتكامل الناس بتلك النعم لا أن يتفاضلوا على البعض، فيعطي كل ذي فضل أخاه الذي حرم من تلك النعمة ليرد له عطيته بما يستطيع وهكذا... والخلاصة أن تستوعب الطفلة عدل الله عز وجل في تقسيم النعم، وكون تلك النعم فرصة للاختبار وليست جزاء أو مكافأة أو حق ممنوح لأصحابها يتطاولون به على الناس. 6 - يمكنك استخدام القصص لتبثين طفلتك التصرف الأمثل الذي يجب أن تفعله حينما تتعرض لمثل تلك المواقف من الهجر والنبذ من أصحابها، من خلال قصة لهدهد ذكي مثلاً فارقته الطيور بعد أن أغراهم الشيطان بذلك؛ لأنه لا يحب السعادة لأحد، وكيف كان الهدهد حكيمًا ولم يستعطفهم ولم يبكِ، بل ذهب للحمامة ولعب معها لعبًا ممتعًا جعل باقي الطيور اشتاقت للعب معهما هذا اللعب اللطيف، وأصبحوا يتسابقون لمصاحبة الهدهد وأن يسامحهم ويسمح لهم باللعب معه... وهكذا. 7 - حاولي أن تنمي لديها عزة النفس والإباء وهما يختلفان عن الغرور والتعالي؛ فهما يعنيان الترحاب بكل علاقة جديدة وبكل الأصدقاء لكن دون تقبل لأي إهانة أو جرح ودون استجداء للمشاعر من الآخرين، وحاولي توصيل هذا المفهوم -مختلطًا بالتسامح- بكل وسيلة تستطيعينها في قصة أو تجربة خضتها بنفسك وأنت في سن ابنتك، وحوارات متكررة معها وكل ما يمكن من وسائل. 8 - تجنبي صد الطفلة نهائيًّا أو التشاغل عنها بأي شيء، وإن كان انشغالك حتمي وهي في حاجة إليك فاطلبي مشاركتها لك فيما تفعلين؛ لتتيحي الفرصة لها لتحدثك وتكلمك وتقترب منك وتبثك كل ما يعتمل بداخلها من فرح أو حزن أو قلق أو طموح، واحذري إشعارها بأن هناك ما يتفوق عليها في المكانة في قلبك واهتمامك. أختي الكريمة.. نرجو أن نتلقى المزيد من أسئلتك دائمًا والمزيد من أخبارك وأخبار طفلتك، وحتى نتلقى رسالتك القادمة لك منا كل تحية.