الرئيسية

فكر وعقيدة


حقيقة المعركة


فكر وعقيدة


أحمد سمير


إن معركة التغيير اليوم ليست شأنا داخليا فقط كما يظن الكثير، إنها معركة بأبعاد خارجية خطيرة، إن أوضاعنا الداخلية إنما هي نتاج ظروف فرضها الخارج، والتغيير سيظل تغييرا وهميا ما لم نصطدم بتلك الثوابت والقواعد التي فرضها علينا ما يسمى "النظام العالمي الجديد"، فالمعركة ليست بالسطحية التي طرحتها بها بعض الأحزاب والحركات السياسية الكثيرة بل هي معركة تحررعلى كل المستويات، إن الحقيقة المرة التي لا يجب أن تخفى على الناس اليوم هي أن بلادنا محتلة، وأن إرادتها مسلوبة، وأن ثرواتها منهوبة، وأن الاستقلال الذي تم خداع الشعوب بعد جلاء الاحتلال العسكري هو استقلال صوري ووهمي، نحن محتلون من كل الجهات، احتلالا ثقافيا وسياسيا واقتصاديا بل وعسكريا، إنه الاحتلال الذي مازال يحكم على شعوبنا بأن تكون أفقر الشعوب بينما هي تعيش على أغنى أرض! إن الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وعلى رأسهم أمريكا صارت من بعد الحرب مباشرة عام 1942 تقسم تركة العالم فيما بينها محاولة رسم خريطة جديدة لنظام عالمي يلبي أطماعهم في السيطرة والتوسع، وبالفعل رسمت هذه الدول شكلا عاما لهذا النظام العالمي متوازن القوة تقريبا بين شرقه المتمثل في الاتحاد السوفييتي والصين وغربه المتمثل بالأساس في أمريكا وفرنسا وبريطانيا، إلا أن صراع المصالح لم يتوقف داخل إطار هذا النظام العالمي الجديد حينها، وبلغ التنافس الأمريكي السوفييتي مراحله القصوى حتى انتهى بانهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط سور برلين عام 1989 ليبدأ العالم في حقبة جديدة تتفرد فيها أمريكا بقيادته تفردا شبه كامل ليكون أول رد فعل لأمريكا في هذا النظام العالمي الجديد هو أن ترسي قواعدها العملاقة في قلب الخليج مستغلة أحداث حرب الخليج الثانية في إشارة إلى كون منطقة ما يسمى "الشرق الأوسط" صارت من اليوم بثرواتها وخيراتها تحت الطوع الكامل للسيد الأمريكي كعلامة كبرى على سيطرته العالمية، هذه المنطقة التي كانت تثير لعابه منذ زمن بعيد إلا أنه ظل لا يجد الفرصة السانحة والظروف المناسبة للانقضاض عليها هذا الانقضاض الفادح حتى تهيأت كل الأحوال عام 1990 فلم يكذب خبرا إن النظام العالمي الجديد اليوم بقيادة أمريكا صار لا ينظر إلى بلادنا إلا باعتبارها منهبا للثروات وسوقا لتسويق منتجات دوله الكبرى، إن كل ما يمكن أن يساعد في تحرير إرادة الشعوب تحريرا حقيقيا يقومون بحربه ومنعه، فلا اكتفاء ذاتي من القمح يسمح لك، ولا تصنيع حقيقي للدواء والسلاح، وما ذاك إلا لتظل أسيرا لسياساتهم وتوجهاتهم، إنهم يكفيهم في حربك اليوم أن يفرضوا عليك حصارا اقتصاديا ليجد الشعب نفسه أمام مصير محتوم، إما الموت من نقص الدواء أو الموت من نقص الغذاء، وهل ما حدث للعراق بعد حصارها عام 2002 قد غاب عنا!! لقد مات من الأطفال فقط مليون ونصف لنقص الدواء والغذاء، إننا صرنا نعيش على أنقاض دول يمتص الغرب خيراتها يوما بعد يوم، ولا يوجد من يوقف هذه المهزلة، بل لا يوجد من يفكر أصلا في كونها مهزلة! إنها نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:- (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها) فالأكلة هي جمع آكل، إنه يشبه حالنا بحال قصعة الطعام يجلس عليها الآكلون ويدعوا بعضهم بعضا للمجيء للأكل، يتناولون منها بلا مانع ولا منازع، يأكلونها عفوا وصفوا، إنهم صاروا بالفعل يأخذون ما في أيدي شعوبنا بلا تعب ينالهم أو ضرر يلحقهم أو بأس يمنعهم، لقد علموا أنها أمة من الأموات! كيف اقتنعت شعوبنا بأن وضعها اليوم هو الوضع الطبيعي! كيف يكون منطقيا جوع الناس رغم ثراء بلادهم!، إن بلادنا لا يخفى على أحد كونها مصدر الثروات الأكبر في العالم، إنها الخزان الأول للنفط الموجود في الكرة الأرضية كلها، ومصدر ضخم للمعادن بصورها المختلفة، هذا غير ما فيها من ثروات مائية وحيوانية وزراعية، ناهيك عن موقعها الاستراتيجي الرابط للعالم كله فهي تمتلك أهم أربع مضائق ومعابر مائية عالمية وهم: مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، ومضيق جبل طارق بما يجعل لها وضعا استراتيجيا واقتصاديا مميزا إن سرقة الثروات في بلادنا تتم بصورة منهجية ثابتة، لا تكاد تختلف من دولة إلى دولة، فهي تبدأ بعقود الامتياز والاحتكار للشركات "الاستعمارية" الأجنبية الكبرى بمشاركة حكومات بلادنا فاقدة الشرعية، وتنص هذه العقود على حصول الشركة الأجنبية على نسبة تفوق في الغالب ال 50% من الثروة التي يتم إخراجها من باطن الأرض، ثم الشركة نفسها هي التي تحدد حجم هذه الثروة في أول خطوة للنهب، ثم ياليت النصف الثاني من الثروة يعود إلى الشعوب، بل هو غالبا ما يباع في الأسواق العالمية بالسعر الذي تحدده الدول الكبرى، لتنتهي في النهاية أثمان تلك الثروات في بنوك الغرب أيضا كأرصدة لبلادنا بعدما ينهب منها بالطبع حكامنا ما ينهبون فيستفيد الغرب مرة أخرى في النهاية من استقرار هذه الأموال عنده، وبهذا لا يعود على الشعب من ثرواته شيئا يُذكر، وإذا كان الجميع يعلم حدوث ذلك مع النفط في دول الخليج فإن الشعب المصري لا يعرف أن ثرواته تتعرض لنفس عملية النهب بينما هو لا يجد لقمة عيشه! ولا أدل على ذلك من منجم السكري والذي يدار بنفس الطريقة التي شرحناها فقد أخذت شركة سينتامين (وهي شركة أجنبية مقرها أستراليا) حق الامتياز لاستخراج الذهب منذ عام 1994 بشراكة مع شركة تتبع المخابرات المصرية، هذا غير فضيحة الغاز الطبيعي المصدر لإسرائيل شبه مجانا وغيره، ليبقى السؤال أين ثرواتنا؟! ومن المضحك الحديث الحكومي المصري الثابت عن دعم السلع وكأنها تمن على الشعب، بينما هذا الدعم هو شيء لا يذكر من ممتلكات هذا الشعب وثرواته الممتصة عبر النظامين: الداخلي والخارجي! لا يدري الشعب المسكين أن ثرواته المنهوبة برعاية خارجية وداخلية عبر رجال الأعمال والجهات السيادية كفيلة ليست بدعم سلعه فقط بل ولدعمه هو أيضا بالمال الفائض! إن التغيير المنشود ليس هو التغيير الذي يتم خداع الشعوب به مرة بعد الأخرى، بل هو التغيير الذي تُمنع منه الشعوب وهي لا تشعر، إنه التغيير الذي يكون أثره اكتفاء ذاتي من القمح وسائر السلع الاستراتيجية، التغيير الذي يجعل الشعب يشعر بوجوده فعلا، التغيير الذي يجعلنا قادرين على امتلاك سلاح نووي كما امتكله عدونا، التغيير الذي يجعل سائر أسلحتنا من صنعنا واختيارانا وليس سلاحا يفرض فرضا عبر ما تسمى المعونة الأمريكية، التغيير الذي يجعل الثروات ملكا للشعوب تعود عليهم بالنفع لا غيرهم .. إنه باختصار التغيير الذي يحاولون إقناع الشعوب كذبا أنه مستحيل، التغيير الذي يسقط هيمنة الخارج على بلادنا، وكل تغيير لن يضع في حساباته إسقاط الهيمنة الخارجية على بلادنا هو تغيير صوري وكلام منمق لخداع الناس وما أكثر المخادعين في هذا الزمان! إن الخروج من الهيمنة الخارجية ليس مستحيلا ولكنها معركة كبرى لا يمكن أن تحيّد الشعوب نفسها عنها ثم تشتكي بعد ذلك من تردي الأحوال على كل المستويات الدينية والدنيوية وعدم التغيير، إذا لم تدرك الشعوب حقيقة "معركة التحرر" ولم تكن مؤهلة للكفاح من أجله فسيظل التغيير وهما يوهم به الناس ويضاف إلى قائمة الأوهام التي طالما عاشوا فيها! فكيف سيتحرر المواطن إذا لم يتحرر وطنه أصلا!