الرئيسية

أولادنا


الضرب أم التجاهل لعلاج التبرز اللاإرادي؟


إستشارات


عندي مشكلة أعاني منها منذ ما يقارب السنتين، ابني الكبير عمره الآن 10 سنوات، (عائلتي تتكون من صبيين فقط، الكبير 10 سنوات، والصغير 6 سنوات)، وما زال يوسخ ملابسه الداخلية بالبراز وبالبراز فقط، ودائمًا بكميات قليلة، شرحت له مرارًا وتكرارًا أن عليك أن تذهب إلى الحمام بمجرد شعورك بحاجة التبرز، شرحت له بناء على الطهارة والنجاسة وأهميتها للمسلم، وضحت له أن الله سبحانه وتعالى يحب المسلم النظيف، جلست معه ملايين المرات، ووعدني بأنه لن يكررها ولا فائدة، ذهبت به إلى الطبيب لخوفي من أن يكون هناك أي سبب مرضي، أجرى له التحاليل وكانت سليمة والحمد لله. نحن كأسرة لا نعاني من أي مشاكل والحمد لله، فالوضع العائلي مستقر وأغلب ما يطلبه يجاب إلا فيما ندر، لا يوجد أي طفل جديد في العائلة (حتى لا نقول إنه يشعر بالغيرة)، أخوه الصغير نظيف باستمرار، إلا هو، جلس أبوه معه مئات المرات وتحدثا ولا فائدة تذكر، تتكرر الحالة مرارًا وتكرارًا، أحيانًا تكون ملابسه الداخلية وسخة عند عودته إلى المنزل سواء من المدرسة أو من عند الأصحاب، وأحيانًا تكون وسخة حتى وهو موجود بالمنزل. أحيانًا أفقد أعصابي وأثور عليه وأضربه، وأحيانًا أتجاهل الموضوع وأشعره بأني لم أره وهو يغير ملابسه الداخلية، عسى أن يرى عدم اهتمام فيقلع عن هذه العادة النجسة والكريهة، ولا فائدة، لم أعد أعرف ماذا أفعل، حاولت بكل الاتجاهات ولم أرَ أي تحسن، حاولت أحيانًا أن أنظم له خروج معدته فيكون بوقت معين من كل يوم، ولكنه كثيرًا ما يقول إنه لا يشعر برغبة في الدخول إلى الحمام ولا يشعر برغبة في التبرز. أرجوكم لم أعد أدري ماذا أفعل، بت أخجل من الخروج به إلى أي مكان خوفًا من أن يشعر أحد من الناس به وبرائحته الكريهة، أفيدوني أطال الله في عمركم، هو يريد أن يصوم في رمضان ولا أدري كيف يصوم من في حالة نجاسة، لا أدري ماذا أفعل؟؟؟ أضربه، أم أتجاهل، أم أتكلم معه أيضًا، لقد مللت وأصبت بحالة اكتئاب ولم يَعُد لدي ما أتحدث به معه. أرجوكم أنا بانتظار إجابتكم الكريمة، عسى الله أن أجد حلاًّ جذريًّا لديكم فأعصابي لم تَعُد تحتمل. تقول د/ إيمان السيد وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أختنا الكريمة.. مرحبًا بك ومرحبًا بأسرتك الكريمة، وكل عام وأنتم بخير. في الحقيقة لقد كان سؤالك محيرًا بنسبة كبيرة لالتباس الأمر بين كون مشكلة طفلك حدثت منذ عامين فقط على حد قولك، وبين كلمة (ما زال يوسخ ملابسه بالبراز)، وهو ما يعني أن الطفل لم يتحكم في برازه قط منذ طفولته، والحالتان مختلفتان تمامًا ولا شك، فإن كان طفلك قد تحكم في إخراجه حتى سن السابعة، ثم حدثت له هذه المشكلة فما تسمى به حالته هو حالة تبرز لاإرادي من النوع الثانوي، لها كيفية معينة من العلاج، وإن كان لم يتحكم قط فهو تبرز لاإرادي من النوع الأول والذي يعود في الأغلب لأسباب عضوية تحتاج للعلاج. إن عدم التحكم في البراز عرض له نوعان: الأول: هو ما يكون في الأغلب لسبب عضوي، وهو ما يحكم به إذا كان الطفل لم يتحكم في البراز أبدًا أو لم يكمل عامًا كاملاً متحكما في برازه بعد سن التحكم (2.5 - 3 سنوات).. وهو عرض قابل للعلاج وقد تدخل في علاجه الجراحة، ولكنه يحتاج لعدة فحوص، أما الطبيب الذي نتوجّه له للتشخيص وبنتائج هذه الفحوص فهو: طبيب جراحة أطفال - طبيب أطفال، ثم يبقى الطفل في حاجة للعلاج النفسي لدى طبيب نفسي أطفال. وانتبهي يا سيدتي لحقيقة غاية في الأهمية، هي أن من ستتوجهين إليهم من الأطباء سيكون الهدف الأول للتوجه إليهم هو تشخيص الحالة بدقة وليس من أجل عمل جراحة، وتوجهك لطبيب جراحة الأطفال ليس معناه إجراء جراحة للطفل، ولكنه يعني أن تشخيصه في هذه الحالة سيكون أكثر دقة من تشخيص طبيب الأطفال وهو ما يوصله لنتائج واضحة. الثانوي: وهو ما يحكم به إذا كان الطفل قد أمضى ستة شهور بعد سن التحكم متحكمًا تمامًا في الإخراج، ثم طرأت عليه هذه الحالة، نتيجة لضغوط نفسية مثلاً أو حادث ما.. وهنا يجب استبعاد الأمور التالية: - تعرض الطفل للتحرش الجنسي أو الاعتداء الذي يمكن أن يكون هذا العرض نتيجة له. - يجب استبعاد أي سبب عضوي، وذلك بإجراء منظار شرجي وتحليلات وأشعة بالصبغة على الجهاز الهضمي للتأكد من عدم وجود عيوب به. ولقد ذكرت في سؤالك أنك أجريت لطفلك تحاليل، فأي نوع من التحاليل تلك؟ إن مشكلة الطفل لا تكشفها التحاليل، بل الفحص لدى طبيب جراحة أطفال لاكتشاف حالة عضلات الشرج، ومن ثَم سبب عدم التحكم إن كان عضويًّا، وما يتم بالتفصيل في هذا الفحص هو عمل حقنة شرجية بالصبغة لتحديد السبب العضوي الذي يمكن علاجه ولو بالجراحة. إن طفلك يا عزيزتي يحتاج في تشخيص حالته -من حيث كونها أولية أو ثانوية- للرد على الأسئلة التالية: - هل تحكم ابنك في البراز قبل ذلك؟ وهل دربتِه على التحكم في الإخراج، ثم عاد إلى التبرز في ثيابه بعد أن كان قد تحكم تمامًا في إخراجه أم أنه لم يتحكم أبدًا طيلة حياته؟ - كم عدد المرات التي يتكرر فيها هذا الأمر يوميًّا؟ ومتى يحدث ذلك: هل أثناء النوم أم الاستيقاظ أم على مدار اليوم؟ أم كل فترة مرة؟ فمعدل تكرار الأمر عامل هام. - هل برازه في صورة إمساك أم إسهال؟ وذلك لمعرفة حالة العضلة العاصرة المتحكمة في البراز. - هل ما يحدث له هو إمساك يصاحبه إسهال؟ وهو ما يسمى Constipation with overflow، وهو ما يحدث نتيجة لمحاولة إخراج الفضلات الصلبة المختلطة بسوائل داخل المستقيم، ونتيجة للضغط على العضلة المتحكمة نتيجة امتلاء المستقيم بالفضلات، وبسبب تيبس الفضلات؛ فتخرج السوائل لينة القوام فقط والتي تشبه الإسهال، في حين أن الحالة إمساك، حيث يصاحب حالة البراز اللاإرادي عادة إمساك. - هل تشعرين بصلابة أو تحجر في بطنه؟ وهل يعاني من الإسهال رغم هذا التحجر؟ - هل يصاحب هذه الحالة ألم في البطن أو قيء؟ - ما انطباع طفلك عن حالته؟ هل يحاول التحكم فعلاً ولا يستطيع، مما يسبب له الإحباط والحزن أم أنه يتعمد توسيخ ملابسه؟ - ما محتوى حوارات الطفل مع أبيه؟ وما ردود أفعال الطفل على ما يطرحه أبوه عليه من أسئلة أو نصائح؟ ودعينا من التشخيص حتى توافينا بالرد على الأسئلة، وإن كنت أميل لأمر ما في تشخيص حالته، فهو في الأغلب يعاني من مشكلة عضوية في عضلاته العاصرة، وقد تسبب فيها تعرضه لحادث ما -كاعتداء جنسي مثلاً- تسبب في تلف عضلاته، مما يحتاج علاجًا عضويًّا يتواكب جنبًا إلى جنب مع العلاج النفسي. وعلى كل حال ففحص الحالة يحتاج لجراح أطفال كما بينت لك سلفًا، وعرض الطفل كذلك على طبيب نفسي أطفال للحديث مع الطفل وسبر أغواره، ومعرفة ما تعرض له ثم علاجه بشكل سليم. إن طفلك يا أختي الكريمة في حاجة لعونك وليس لاشمئزازك منه أو خجلك أو عدم احتمال أعصابك؛ فكما يظهر من حديثك أن حواراتك معه التي تكررت (ملايين المرات) على حد تعبيرك لم تكد تخلو من الوعظ والإرشاد والتأنيب وإظهار الامتعاض، وهو في حاجة لأن يُسمع منه وأن يسأل عما به وعما يمنعه من التحكم، وعن مشاعره إزاء هذا العرَض الذي ألمّ به. وكما بدا من حديثك أنه لا ملاحظات عن أي عذر يبرر به الطفل حالته أو يرد به على سيول العظات والتقريع، وهو ما يجعل الجدوى من ملايين العظات صفرا، كما أن أسلوب العظة ليس علاجًا، وكذلك التجاهل؛ فكلاهما لا يمت لعلاج مثل هذه الحالات بأي صلة ناهيك عن الضرب لرجل صغير على مشارف المراهقة، والأحرى احتواء الطفل ومساندته في مشكلته التي قد لا يكون سببها ما ذهبت إليه ظنونك من الغيرة الأخوية -وخصوصًا في سنه تلك- أو الحرمان من تلبية أمر ما. والخلاصة أنه لا بد من عرض طفلك على: 1 - طبيب جراحة أطفال. 2 - طبيب نفسي أطفال ومتابعة علاج الطفل معه. والأهم من تلك الخطوات الصداقة مع الطفل وفتح المجال أمامه للحديث وللمصارحة بمشكلته، ومن ثَم دعمه للتغلب عليها وإشعاره بأن لديه من الإرادة والعزيمة ما سيمكنه من التغلب على سحابة الصيف هذه حتى تنقشع، وهكذا... ولعل ما شرعت فيه من تنظيم مواعيد إخراج معدة الطفل هو أمر هام جدًّا للمشاركة في التغلب على حالة الطفل بشكل جزئي حتى يتم العلاج الجذري؛ فلا بد من دخوله الحمام كل ساعتين -في البيت والمدرسة وفي كل مكان- حتى وإن لم يشعر برغبة في التبرز؛ لإخراج أي فضلات متجمعة وتقليل فرص خروجها في الملابس. كما أن هناك تمرينًا لا بد من تدريب الطفل عليه في مرات دخوله الحمام، وفي كل وقت يمكن أن يقوم به وهو تمرين (النفس) strain لتمرين وتقوية عضلات الشرج، ويوصي بالقيام بهذا التمرين مرات عديدة يوميًّا بخلاف مرات دخول الحمام، وهو كالآتي: يأخذ الطفل نفسا عميقا من أنفه ثم يكتمه داخل صدره قليلاً (كأنه تحت الماء)، ثم يخرجه ببطء، ويظل يكرر هذا التمرين شادًّا لعضلاته في كل مرة، حتى تتقوى تلك العضلات، ولا بد من التنبيه على ضرورة الامتناع تمامًا عن عقاب الطفل أو توبيخه أو لومه، فالمريض لا يعاقب على مرضه، بل يعالج منه. أعلم يا عزيزتي أن الأمر شاق عليك وعلى زوجك وأن الابتلاء غير سهل، ولكن بقدر المشقة يكون الثواب الجزيل، فتجلدي وحاولي معاونة طفلك على التغلب على حالته، وواصلي متابعتنا بأخبارك وأخبار طفلك وأسرتك. ولا بد من إعلامنا بنتائج الفحوص وإجابات أسئلتنا عسى أن يمكننا المشاركة بشكل أكبر في علاج طفلك.. وأختم معك بقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِين" (البقرة: 153). أما بخصوص صومه وهو على حالته، فالرجاء الرجوع إلى قسم الفتوي بالموقع