الرئيسية

تربية الأبناء


ابن العامين.. تفيده الحضانة أم تضره؟


التعليم والدراسة


إستشارات موقع أون إسلام


بلغ ابني عامين من عمره، ولديه أختين في الصف الثالث الابتدائي، والصف الثاني حضانة، وقد كانت الأعوام السابقة صعبة بالنسبة لي؛ حيث أتحمل مسئولية منزل، وثلاثة صغار في أعمار متفاوتة؛ حيث لكل منهم نظامه ومواعيده ومطالبه المختلفة عن الآخر، وكان علي التأقلم مع ظروف الجميع، وبصراحة لقد عجزت عن تنظيم أموري كما ينبغي، وتلاعب بي الخدم كثيرا، وكانت مرحلة فوضى وعدم استقرار. وكنت أرى من حولي يرسلون أطفالهم للحضانة بعد عمر العام، وهم على قناعة تامة أن ذلك أفضل للأم والطفل معا؛ حيث تتمكن الأم من الراحة أو الخروج للعمل، وكذلك يتعلم الطفل المهارات والحياة الاجتماعية وينطلق في النطق ويقضي وقتا في اللعب والمرح. ولكني لم يطاوعني قلبي على ذلك، خاصة وقد كنت أتابع نصائحكم في هذا الشأن؛ فقررت عدم إرسال طفلي للحضانة وهو صغير. ولكن لم أستطع الاستمرار على قراري هذا؛ لسببين: أولهما متعلق بطفلي نفسه؛ حيث بدأت أشعر (ربما كنت واهمة) أنه متأخر عن أمثاله؛ فمن في سنه صاروا أفضل منه وزنا، وأكثر انطلاقا وحديثا، بينما ابني قد تأخر في الكلام، وكان صامتا، ملتصق بي، ولا يقبل على تناول الطعام؛ حتى قل وزنه وحجمه كثيرا، والغريب أنه كان يتناول الطعام مع أبيه ويرفضه مني أنا أو يأكل في غيابي ويرفض في حضوري!! النقطة الثانية متعلقة بي؛ فقد تعبت وأريد لحياتي أن تنتظم وتستقر في المنزل وكذلك خارج المنزل، فمثلا أحيانا كنت أريد أداء بعض المشاوير فإما أن تتعطل تلك المشاوير، أو أصطحبه معي فيشكل وجوده معي إعاقة لي؛ حيث أكون مستعجلة لألحق بموعد عودة إخوته من المدرسة، بينما هو يحتاج للطعام والتغيير إلخ. كما كان يقضي الوقت جالسا على كرسيه في السيارة وأنا أتنقل في المشاوير، فقلت لنفسي أن الحضانة أفضل له، حيث يلعب ويتعلم وأريح لي أنا، حيث أجد الوقت للراحة والتقاط أنفاسي وأداء الكثير من الأشياء خلال فترة غيابه. وبدأت أحاول معه، لكنه كان يرفض ويتمسك بي بشدة فكنت أتراجع حتى عثرت على حضانة متخصصة لتنمية مهارات الطفل، ويشرف عليها متخصصون في علم نفس الأطفال، ورأيت بنفسي أسلوبهم المدروس وأنشطتهم التي تنمي المهارات العقلية واليدوية والجسمية والفنية إلخ، وبدأت أرسل طفلي بالتدريج، وقد اعتاد عليهم وصار يندمج معهم. ولاحظت كيف تطورت شخصيته كثيرا؛ فهو مثلا يصر على تناول طعامه بنفسه، ويهتم بنظافته نسبيا، رغم أنه لم يكد يتم عامه الثاني، ويحب الاعتماد على نفسه في أي شيء، ولو توقف أمام عمل صعب عليه أجده يصر حتى ينجح فيه، وقد أساعده أنا مساعدة خفية. كما صار يعرف العد والألوان ويركب البازل إلى ست قطع، كما انطلق في الكلام والحديث، وشعرت فعلا أنه كبر. بينما كنت من قبل أجده مع أي طفل في سنه متأخرا عنه في الحجم والتصرفات. المشكلة أنه في كل صباح يقاوم الذهاب للحضانة، ويتمسك بي قدر طاقته ويبكي، ويظل يردد "باي لأ" "لماذا"؟ وهو يقطع لي قلبي، ولكني لا أقدر أن أتراجع بعد أن اعتاد على الحضانة، وتحسن فيها أن أتوقف عنها الآن. لا أنكر أن ذلك أريح لي، لكنه الآن كبر، ويعد وجوده في المنزل متعبا كما كان من قبل، لكني لا أريد أن يرجع هو إلى الوراء بعد أن تطورت شخصيته بهذا الشكل، وكذلك هو يندمج معهم في الحضانة، ومشرفته تؤكد أنه لا يبدي أي مشاكل معهم، وكذلك يعود سعيدا، وأسأله عن الحضانة فيقول لي "الحضانة حلوة"، ولكن المشكلة هي في لحظة الانفصال عني كل صباح. وهو لا يفعل ذلك إذا غبت عنه وتركته مع والده، بل تركته مع والدتي عدة أيام وهو متعلق بوالدتي، وكذلك بوالده جدا، ومع ذلك كان يذهب معهما بدون مشاكل، فلا يفعل تلك التصرفات إلا معي أنا. أنا فعلا في حيرة من أمري ولكني وجدت الحل أن أرسله للحضانة ثلاثة أيام في الأسبوع، أنجز خلالهما ما أريد إنجازه من مهام وأتفرغ له تماما في الأيام الثلاثة الأخرى، وفعلا هو لا يجعلني خلالها أتمكن من الالتفات عنه إلا في وجود أختيه فينشغل بهما. وحتى تتضح الأمور بالنسبة لي فإني كنت أريد أن أفهم بالضبط: ما السبب الذي يدفعكم لرفض فكر الحضانة في عمر مبكرة؟ وكذلك ما هي الأضرار المترتبة على ترك الطفل في الحضانة، وهل يمكن تعويضها؟ وهل يؤثر ذلك على الحالة النفسية للطفل بحال من الأحوال؟ وهل يؤثر على علاقته بأسرته؟ إن ابني كان طفل مسالم وديع، لكنه في الفترة الأخيرة قد ظهرت شخصيته، وتعلم العناد، وأحيانا يكون عصبيا، كذلك تغيرت معاملته لي عن ذي قبل.. فهل للحضانة دور في كل هذه الأمور؟ وهل هناك حل لتلك المشاكل، بدون أن أجعله يترك الحضانة؛ حيث أنها المتنفس بالنسبة لي، كذلك -وهو الأهم- أن شخصيته قد تطورت إلى الأفضل. انتهت تقول د نهلة نور الدين حافظ سيدتي الفاضلة.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. بداية.. أود أن أحييك لاهتمامك بالعلم والمعرفة في كل ما يخص المجال التربوي، وحرصك البالغ على أطفالك، وحرصك الواضح على إرضاء الجميع على حساب نفسك، كما يبدو لي. سيدتي الفاضلة.. دائما أحب أن أنصح الأمهات وأنصح نفسي أيضا أن قسطا من الراحة والهدوء واقتناص بضع ساعات من اليوم تعيشين فيها مع ذاتك، باحثة عن الاسترخاء، أو نشاط، أو هواية تفضلينها يعد بمثابة إعادة شحن للعقل والنفس والمشاعر؛ لتعاود القدرة على العطاء، وتجديد الطاقة التي تنير لزوجك وأبنائك حياتهم. أما الاستهلاك الدائم، وتأنيب الضمير، ومشاعر الذنب التي تخترق العقل من وقت لآخر بأنك ربما تقصرين مع الأسرة أو مع ابنك على وجه التحديد حينما ترسلينه للحضانة، وتنعمين بقسط من الراحة لتجددي نشاطك وقوتك، وتصبحي أكثر قدرة على العطاء.. إن كثرة التفكير والتأنيب لنفسك في هذا الأمر يعد أمرا سلبيا معوقا. وربما استطعت أن تتحملي الآن، لكن بعد فترة من الزمن إذا لم تقتنعي أن من حقك أن يكون لك وقت لنفسك فإن عواقب ذلك لن تكون مرضية لك ولأسرتك؛ لأنك دوما ستنتظرين المزيد من التقدير ولن يرضيك أي شيء، فهذا الأسلوب هو أحد الأنماط السلوكية التربوية التي تتبعها الأم أحيانا إلى أن تتلاشى قوتها وتثور غضبا. مع أن أحدا لم يتسبب لها في ذلك، بل هي من أسرفت في الحماية التي تضر أحيانا، فلا شك أن الحماية قد أضرت بطفلك في بداية الأمر؛ فالحماية الزائدة والقسوة وجهان لعملة واحدة؛ لذا تأخر طفلك في نمو وارتقاء قدراته المختلفة، ربما لأنك لم يكن لديك الوقت الكافي بل الطاقة الجسمية الكافية للاهتمام بتنمية قدراته كما ينبغي. والآن سيدتي الفاضلة دعينا نناقش ما ورد في رسالتك من تساؤلات: أولا- سن الحضانة المناسبة: في الماضي كنا نقول إن السن المناسبة لخروج الطفل هو الرابعة أو الثالثة، أما الآن فنقول إن السن المناسبة لخروج الطفل للحضانة هو سن الثانية من العمر؛ لما في هذه السن من نشاط لما يسمى بفترات النمو الحساسة التي يبدأ فيها نشاط مراكز المخ وكأنه في وضع الاستعداد للتنشيط في كل مجالات النمو من الحركة، واللغة، والمهارات الاجتماعية، والاعتماد على الذات، والإدراك. وهذا ما حدث مع طفلك، فاللغة تحسنت وأصبح يختلط بالأطفال، ويرغب في الاعتماد على نفسه، والإدراك، ربما سبق سنه لكونه يستطيع الآن تركيب بازل من ست قطع، إذن لقد تخيرت مكانا مناسبا لطفلك، ولم تلق به في أي حضانة مثلا لتستريحي من الأعباء، فأنت أحسنت التصرف. ثانيًا- بكاء طفلك عند الذهاب للحضانة: هذه مخاوف الانفصال الطبيعية التي قد تستمر أحيانا لسن 4 سنوات، وهي تحدث عند لحظة الانفصال، وفي الأطفال الطبيعيين سرعان ما تختفي وتقل حدة القلق، ويبدأ في الاندماج في أنشطته مع الآخرين، وينسى أنه كان يبكي، ويعود لنفس الفعل في اليوم التالي... وهكذا. فلا تنزعجي ولا تظهري قلقا؛ لأن ذلك سيزيد من مخاوفه ويضخمها، وأغلب ظني أن مشاعر الذنب والقلق منك تجاه طفلك تزيد قلقه، وهذا يفسر أنه يفعل ذلك معك ولا يفعله مع والده وجدته. وربما أيضا يعرف ويلاحظ نقاط ضعفك ويستغلها بذكاء ليستمتع بالضغط والانتصار عليك، خاصة أنك ذكرت أنه يفعل ذلك معك أيضا عند تناول الطعام فيرفضه ويأكل مع والده أو في غيابك، فهو يتلاعب بمشاعرك، وهذه متعة أيما متعة للأطفال، لكن على أي حال يمكن تقليل حدة المخاوف بتشجيع الطفل صباحا بشراء الحلوى أو العصير أو أي شيء يحبه، مع الحزم في أنه سيذهب للحضانة ولا مجال لمناقشة هذا الأمر. لذا لست معك في أن ترسليه ثلاثة أيام فقط للحضانة، خاصة إذا كانت الحضانة تقدم برنامجا تعليميا متكاملا، فأنت بذلك تحرمينه من وسيلة هامة تساعد وتسرع في إنماء القدرات بشكل منتظم. كما أن الأهم أن الطفل سيعتاد هذا السلوك من البكاء والرفض للضغط عليكم في أي أمر؛ وهذا أمر يصبح من الصعب تعديله إذا ما أُرسي مبكرا. لكن من المهم ألا يقضي الطفل بأي حال من الأحوال أكثر من ست ساعات يوميا كحد أقصى في الحضانة؛ لأن أكثر من ذلك يرهق الطفل ويعد أحد أسباب السلوك العدواني في الأطفال، حسبما ذكرت بعض الدراسات. ثالثًا- سؤالك: هل للحضانة دور في كل هذا؟ بالطبع يا سيدتي الفاضلة، لكن يجب أن نختار الحضانة مثلما فعلت بحيث تساعد على نمو الطفل في جميع المجالات؛ فالحضانة هنا تكسب الطفل الثقة بالنفس، وتنمي المهارات الاجتماعية، وسبل التعامل مع الآخرين في جماعة، وتحسن قدرة الطفل على الانتباه والتركيز والفضول، وهي بذلك تؤهله للتعلم في المراحل القادمة في الروضة وما بعدها. فالتعلم بنيان يبدأ أساسه في السنوات الخمس الأولى من العمر، كما أنها تساعد الطفل على أن ينشغل بأصدقاء جدد يحكي عنهم ويتعلم منهم، فيخفف ذلك من سلوكيات الطفل المتحدية خاصة في هذه السن. رابعا: أمور تراعى في اختيار الحضانة: والآن إليك هذه النقاط الخاصة باختيار الحضانة من كتاب الدكتورة كارول مارتن: "اكتشاف تنمية الطفل"، وهي خاصة بما يجب توافره في الحضانة لكي نطمئن على أطفالنا: - السلامة؛ فرعاية الطفل ينبغي أن تكون آمنة، فتأكدي أن الأبواب آمنة ومغلقة دائما، وابحثي عن أي مخاطر ولابد من إبعادها عن الأطفال، كما يجب أن تنتبهي إلى مستويات النظافة في الحضانة. - اسألي عن نسبة المشرفين والأطفال وحجم المجموعة، فكلما كبر عدد المشرفين كثر الاهتمام الذي يتلقاه الطفل. - حاولي زيارة الحضانة عدة مرات للتعرف على الجو العام. - هل المشرفون مؤهلون ومدربون؟ بقي أن أقول لك -رغم كل ما ذكرت- إن اختيار إرسال طفلنا للحضانة من عدمه قد يكون قرارا فرديا، بمعنى ألا نقول إن الصحيح هو إرسال الطفل للحضانة أم لا؟.. لكن نقول: هل نرسل هذا الطفل بعينه للحضانة أم لا؟ وفي حالة طفلك الإجابة: نعم.. نرسله للحضانة، ولا نحرمه مما وصل إليه. وفقك الله، وبارك لك في أولادك.