الرئيسية

تربية الأبناء


ابن السادسة.. يخاف من ضوء القمر


تربية الأبناء


إستشارات موقع أون إسلام


بشار في الصف الأول، وهو من المتفوقين جدا في الدراسة، ويعيش جوا مستقرا في العائلة، ولكنه يعاني من مشكلة الخوف من عدة أشياء حوله، مثل: منظر القمر وهو بدر، بحيث إنه يأتي لغرفتي خائفا يريدني أن أغلق النافذة. وكذلك فإنه كثيرا ما يردد عبارات أنا بطل، أنا لي عضلات قوية، ولكن في نفس الوقت يأتي من المدرسة مضروبا من أحد الأطفال الذين في عمره دون حتى أن يدافع عن نفسه، ويقول لقد كان أقوى مني ولم أستطع التغلب عليه. وكذلك ليست لديه الجرأة لإلقاء قصيدة أو أغنية أمام أي أحد خارج نطاق الأسرة. أريد منكم توجيهي لتجاوز هذا الخوف وجعله أجرأ مما هو عليه. انتهت تقول د نهلة نور الدين حافظ سيدتي الفاضلة.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أولا أهنئك على ذكاء وتفوق بشار بارك الله لك فيه. وأقول لك في الغالب من خلال خبرتي في التعامل مع الأطفال إنه ما من طفل شديد الذكاء ومتفوق إلا وكانت هناك بعض المشكلات السلوكية التي تشكو منها الأسرة؛ لأن عقل الطفل في الغالب ونموه الإدراكي قد يسبق نمو ونضج المشاعر، فهو بعقل الكبار لكن مشاعره مشاعر الأطفال. والآن دعينا نتكلم عن مشكلة بشار، وهي الخوف، والذي أراه هنا أنه متعدد المخاوف، فهو لا يخاف ضوء القمر فقط، لكن يخاف أيضا من زملائه ويخاف من الحديث أو إلقاء الشعر أو الغناء أمام مجموعة من الغرباء.. فهل لذلك دلالة معينة؟ سيدتي الفاضلة.. لكل سن مخاوفه التي تميزه، والطفل في سن السادسة له بعض المخاوف الطبيعية، بل نعتبر أن هذه السن سن تزايد المخاوف الطبيعية، فكلما نضج الفكر والخيال ربما يؤدي هذا إلى زيادة مخاوف الطفل. ومن المخاوف في هذه السن: 1- مخاوف سمعية، مثل الخوف من صوت الحيوانات والحشرات وبعض الطيور. 2- مخاوف تخيلية، مثل الخوف من الأشباح والعفاريت. 3- الخوف من أن يفقد أو يضيع من الأهل، أي مرحلة الخوف من الهجر والضياع. 4- الخوف من الأماكن الموحشة والظلام. 5-الخوف من الظواهر الطبيعية كالرعد والبرق. 6-الخوف من النار والماء (البحر، والاستحمام مع ماء الدش المنهمر أو البانيو المملوء بالماء). 7- الخوف من فقدان الحماية، كالخوف من عدم عودة الأم للمنزل أو أن يصيبها مكروه أو الخوف من موت الأم أو الأب. 8- الخوف من أن يعتدي عليه أحد بالضرب، والخوف من الدماء والجروح. 9-الخوف من النوم منفردا لئلا يصيبه أي أذى مما يكتظ به خياله من مخاوف. إذن تعلمنا الآن أن لكل سن مخاوفها، وهذه مخاوف سن السادسة، لكن هل يتساوى الأطفال في مدى استجابتهم لهذه المخاوف؟ بمعنى أن كل طفل سيتصرف كأقرانه في هذه السن حيال هذه المخاوف؟ وهل شدة المخاوف عند كل الأطفال متساوية؟ الحقيقة أن الأمر ليس كذلك؛ لذا لا بد أن نعرف ماذا يزيد من حدة هذه المخاوف؟ وكيف يمكن أن نساعد أطفالنا على اختفاء هذه المخاوف فلا يتطور الأمر إلى مخاوف دائمة. أولا: ما هي الأسباب الكامنة وراء زيادة حدة المخاوف؟ 1- عوامل تكوينية وراثية.. أن يكون الجهاز العصبي للطفل ذا حساسية مفرطة؛ لذا فهو ينزعج منذ الأيام الأولى في حياته لأقل الأصوات ويبكي بشدة، ومع النمو والتطور ونمو الخيال والتفكير يحدث نوع من التعميم للمخاوف المتراكمة منذ طفولته المبكرة فتشمل العديد من المواقف، بل يثريها بمخاوف جديدة من وحي خياله الذي تزداد خصوبته شيئا فشيئا. 2- الضعف الجسماني والإعياء، بحيث يعتقد الطفل أنه ضعيف، خاصة إذا كانت هذه الكلمة تتردد كثيرا على ألسنة أفراد الأسرة، فيتم تغذية الطفل مبكرا بهذه الرسالة السلبية؛ مما يرسخ لديه مفهوم أنه لا يستطيع مقاومة أحد؛ لذا يخاف الآخرين من أقرانه. 3- الضعف النفسي، ويقصد به نقص الثقة بالنفس وانخفاض مستوى تقدير الذات، وقد ينتج ذلك عن كثرة التوبيخ والعنف اللفظي والبدني، وكذلك تسلط أحد الوالدين، بحيث يكون في البيت قواعد صارمة واجبة التنفيذ، وينكل بمن يخالف هذه القواعد. فالخوف من السلطة أو النقد أو العنف يتم تعميمه في عقل الطفل ليشمل مخاوف أخرى تخيلية لها دلالة رمزية في عقله بشكل لا يمكن أن نتخيله إلا لو استطعنا من خلال التحليل النفسي فك هذه الرموز، فقد يرمز الخوف من القمر إلى خوف من الأب أو الأم أو الموت أو غير ذلك. وسبب ذلك حدوث ارتباط شرطي بين ضوء القمر وخوف لحظي نتيجة لموقف صادف أن حدث في ليلة اكتمل فيها القمر بدرا. والخوف من الأقران وضربهم له ينم عن ضعف بدني أو نفسي كما وضحنا سابقا، وقوله إنه بطل وله عضلات هو حيلة دفاعية عقلية عبارة عن تكوين رد الفعل المعاكس الذي يحميه من مشاعر الإحباط. والخوف من إلقاء الشعر أمام جماعة قد يشير إلى انخفاض مستوى الثقة بالنفس لما ذكرنا من أسباب. ثانيا: ماذا يمكن أن نفعل لنساعد أطفالنا للتغلب على هذه المخاوف؟ 1- عدم تجاهل مشاعر الخوف أو إجبار الطفل على الدخول في موقف الخوف؛ لأن ذلك يزيد من حدة القلق والتوتر لديه، ولكن على العكس نطمئنه بأن نقول له مثلا: "دعني أنم معك الآن والنافذة مفتوحة وننظر إلى القمر.. الله ما أجمل ضوء القمر.. دعنا نرسمه في الصباح.. ما رأيك". وافعلي ذلك وأنت تمسحين على شعره وتعانقينه وتبتسمين له، مظهرة سعادتك بضوء القمر، فذلك من شأنه أن يخلق نوعا من الإشراط المضاد، فيرتبط ضوء القمر لديه بمشاعر الاطمئنان ومشاعر إيجابية تجاه القمر، خاصة جمال ضوئه، ثم شاركيه رسم القمر وضوئه في صباح اليوم التالي. 2- تجنبي الإفراط في حماية الطفل وتدليله. 3- تجنبي استعمال المخاوف لعقاب الطفل، كأن تقولي: "لو عملت كده تاني القمر حيخطفك"، وهذا بالنسبة لحالة بشار تحديدا، لكن بعض الآباء يخوفون أبناءهم مثلا بقولهم: "لو عملت كذا حيطلعلك العفريت أو يخطفك العو"، أو أي شيء من هذا القبيل، وهم بذلك يفقدون أطفالهم مشاعر الأمان. 4- التعرض التدريجي للمواقف المخيفة مع مكافأة الطفل على قبوله الموقف وشجاعته. 5- ممارسة رياضة مثل الكاراتيه ستساعده كثيرا بإذن الله؛ لأنها تعلمه الدفاع عن النفس وتحقق له أمل أن يكون بطلا ذا عضلات. 6- النمذجة الجيدة، فيجب ألا يرى الطفل أمه مثلا تجحظ عيناها وترتعد عند حدوث أمر يفزعها؛ لأنه هنا يفقد مشاعر الأمان، وكأنه يقول في نفسه: "لو اللي بيحميني بيخاف كده.. يبقى أنا أعمل إيه.. وأكيد الدنيا دى مليانة حاجات مرعبة". 7- دعم ثقة الطفل بنفسه، من خلال تجنب النقد والتوبيخ، والتشجيع المستمر والمكافآت، وتجنب العقوبة البدنية، والامتناع عن تغذية الطفل بأي رسائل سلبية مثل: "ده أصله ضعيف، ده خواف، ده ما يقدرش يعمل، ده... إلخ"؛ لأن الأطفال يصدقون ما يقوله الآباء، وتنمو هذه المقولة مع الطفل وتؤثر في بناء شخصيته ما لم يكن هناك قوى أخرى مضادة، بشرط أن تكون شديدة التأثير كالمدرسة والنادي، وبالرغم من ذلك فإن برمجة الآباء لأبنائهم قد تقهر أي قوى أخرى مضادة. وفقك الله لكل خير.