الرئيسية

تربية الأبناء


أيها الآباء.. إنه حقهم في الغيرة


تربية الأبناء


إستشارات موقع أون إسلام


بخصوص الاستشارة التي أودّ سؤالكم عنها؛ فهي تتلخص في أن الله قد تكرم عليّ وتفضل ورزقني بغلامين: الأول مالك عمره سنة ونصف، والثاني بلال عمره شهر ونصف. المشكلة تكمن في أن مالك متعلق جدًّا بي، وأجد أحيانًا صعوبة في الخروج من المنزل دون أن يحدث صراخًا وبكاء إلا أن المشكلة الأكبر هي عند النوم؛ فطفلي مالك لا يقبل النوم إلا بجواري، و يفتقدني وهو نائم بين الفينة والأخرى، وإذا لم يجد نفسه بجوار أبيه يأخذ بالبكاء ، وأنا أريد حقيقة أن أعوّده على النوم على سريره لوحده، ولكن دون جدوى هذه الحالة كانت معه حتى قبل أن يأتي أخوه الثاني، ولكن أنا في حيرة.. ماذا أفعل؟ في الصيف الماضي كنت أتركه نائمًا وحده في غرفة مجاورة دون مشكلة، ولكن عندما بدأ يعي أخذ يغادر سريره ليلا، ويأتي إلى جواري لينام عندي. أنا الآن أضع سريره في غرفة نومنا حتى لا يشعر بالخوف، ولكن أريد منكم أن ترشدوني إلى أفضل الوسائل في التعامل مع هذه المشكلة، مع العلم أنه يعاني أيضًا مشكلة الغيرة؛ فأحيانًا يقوم بضرب أخيه الصغير؛ وهو ما دفعني لسؤالكم عن كيفية التعامل معه عندما يضرب أخاه الصغير، شاكرًا لكم كريم وجميل تعاونكم وصبركم، وثبتكم الله على الحق والخير. تقول أ/دعاء ممدوح السلام عليكم أيها الأخ الفاضل، وجزاك الله خيرًا على تحيتك الطيبة، ونرجو أن نكون دائمًا أهلا لهذا الثناء. أخي الفاضل.. إن شعورك الجميل بفضل الله عليك ومنته في أن يرزقك بغلامين جميلين أولاً، ثم شعورك بنعمة أن أحدهما لم يكن وحيدًا ثانيًا قصّر عليّ طريق الوصول إلى إقناعك بالتحلي بسعة الصدر، وأنت تتجاوز تلك المرحلة العمرية الصعبة في حياة الأبناء؛ فلكل متعة ثمن، ومشاكل التربية ذاك الثمن الذي ندفعه لقاء التمتع بهم يكبرون أمام أعيننا؛ فينفع الله تعالى بهم إن شاء الله. قد أكون في غنى عن القول بأن الفارق بين "مالك" و"بلال" في العمر فارق قليل بالطبع؛ وهو ما يدفعني للجزم بأن مالك لم تُتح له الفرصة الكافية للتمتع بحقه في الرضاعة أولاً، ثم التدليل والعناية ثانيًا، وربما أنه أيضًا لم يتم إعداده جيدًا لاستقبال أخيه، فضلاً عن أنه -من وجهة نظري- من غير المناسب إطلاقًا محاولة فصله في المنام الآن تحت كل هذه الظروف ، ولنبدأ معًا استعراض المسألة، ومحاولة الوصول للحل الأمثل في التعامل مع منغصات مالك: أولاً: تعلقه القوي بوالده. ثانيًا: عدم استجابته للفصل في المنام. ثالثًا: غيرته من أخيه وضربه له أحيانًا. وكما يتضح من رسالتك فإن "أولا" و"ثانيًا" أمران لدى مالك من قبل قدوم أخيه، وبالتالي أنصحك بالتالي: أولاً: بالنسبة لمسألة تعلق مالك بك أيها الوالد الكريم؛ فهو أمر محمود للغاية أن يتعلق بك ابنك الذكر، فيتأثر بك فيما بعد ويقتدي بك وتصبح مثله الأعلى، ولكني سأورد لك بعض النصائح للتخفيف من شدة التعلق؛ حتى لا يصل إلى حد البكاء والصراخ عند الفراق -وهو ما كانت ابنتي تفعله حينما ترى أباها يغادر البيت ولو للصلاة-: 1-لا بد من اصطحابه في بعض المرات لشراء شيء ما من البائع بحيث يعطي النقود بنفسه للبائع، ويأخذ منه ما اشتريتماه سويًّا، مع تشجيعه والثناء عليه، وهو ما يمنحه ثقة بنفسه وشعورًا بالاستقلالية. 2-لا بد أن تضع بعض المراسم لمغادرتك للمنزل، تتمثل في أن تحمله أمه مثلاً لتقبله، ثم تشير له بيديك مودعًا ويفعل هو ذلك، وتعده بالحلوى عند عودتك، ثم تخرج الأم به للنافذة ليودعك في الشارع، ونفس هذه المراسم عند العودة، حيث تحتضنه وتعطيه ما وعدته به، وتسلم على أهل البيت. 3-لا بد من تلبية رغبته في اصطحابك له ما كان ذلك ممكنًا ليعرف أنك لا تفارقه ولا تختفي للأبد، بل أنت تخرج لأمر ما ثم تعود ثانية. 4- لا بد من إيجاد جوٍّ مَرح له داخل المنزل يمارس فيه اللعب بالمكعبات أو التلوين أو الكتابة بالأقلام أو الصلصال أو ألعاب الفك والتركيب المختلفة؛ وذلك لامتصاص طاقته وتصريفها فيما ينفع، وابتكار بعض الأنشطة التي يحب ممارستها وحده ولا يحتاج في التمتع بها لشريك؛ وذلك كي يعتاد بشكل تدريجي على الاستقلال والانفصال.. وتتطور ثقته بقدرته على هذا الاستقلال. ثانيًا: بالنسبة لمسألة النوم: 1 - من حق مالك أن يتمتع بحضن والديه عند النوم، وقد اختلف المتخصصون في تحديد السن المناسبة لفصل منام الطفل عن حجرة والديه، حسب آخر الأبحاث التي اطلعت عليها، وكانت الخلاصة في هذا الأمر أن الفصل يجب ألا يتم بشكل تعسفي، وأنه ما دام الطفل يرفض الاستجابة لهذا الفصل فيجب عدم إجباره عليه، فإن له كل الحق في هذا وذلك في كل سن، ومن الخطأ بشكل عام إشعار الطفل -حتى بعد استقلاله في المنام- بأنه قد حرم عليه هذا الحضن وهذا الجوار مهما كانت الظروف؛ فمن الواجب تلبية رغبته في الحصول عليه عند احتياجه له. وإن كان فصل الطفل في حجرة خاصة به يشعره بهويته وخصوصيته، فمن الخطأ الكبير التغيير المفاجئ لوضع اعتاده الطفل بدون إعداد وتدريج؛ إذ قد يؤدي هذا الأمر إلى ما يسمى بقلق الانفصال Separation Anxiety، وطريقة الفصل هي الفيصل في نجاح هذا الأمر، وجعله إيجابيًّا في تأثيره على الطفل. 2- أرى أن فكرتك من وضع سرير مالك في حجرتك فكرة جيدة، ويمكن الاستمرار في ذلك حتى يبلغ بلال من العمر سنة؛ ليتم فصلهما سويًّا في حجرتهما، فيؤنسا بعضهما وتحكي لهما معًا الحكايات قبل النوم، وتضع في حضن كل منهما لعبته التي يحبها، ثم ينامان في هدوء وسعادة إن شاء الله، وسيكون وجودهما معًا مشجعًا لكل منهما على مسألة الفصل، فلن يشعرا بالوحدة. وحينها لا بد من: • تخصيص حجرة لطيفة للطفلين جذّابة لهما بألوانها الجميلة واللعب التي تملؤها، ولا بد من قربها من حجرة الأم. • يجب أن يتم الفصل بشكل تدريجي؛ بمعنى أن تزيد عدد الساعات تدريجيًّا، أو أن تنتقل أنت أو الأم إلى غرفتهما، وتبدأ ساعات تواجدكما معهما في التناقص يومًا بعد يوم حتى يقضيا الليل وحدهما بعد فترة. • لا بد من توفير إضاءة مناسبة أثناء الليل والانتقال إليهما من وقت لآخر أثناء الليل للاطمئنان عليهما. ثالثًا: بالنسبة لمسألة غيرته من أخيه؛ فهو أمر لا بد من أن يقلقكما عدم وجوده؛ فالغيرة بين الأطفال أمر طبيعي، وبالنسبة لسنّ مالك فهي حتمية؛ لأن طفليك في حكم التوائم؛ فالفاصل بينهما سنة وقليل من الأشهر، وهو ما يحتم عليكما أنت وأمهما أن تعاملاهما كتوءمين كما يلي: - لا بد أن يكون لهما نفس القدر من الاهتمام والرعاية كل بحسب حاجته، وأنا أحبذ استغلالك لتعلق مالك بك في إشعاره بالاهتمام والحب الشديدين وتفوقه على أخيه في الفوز بالقدر الأكبر من هذه الرعاية والمداعبة. - و هو ما سيخفف عن الأم المسكينة أعباءها؛ فيمنحها فرصة أكبر لتجد وقتًا كافيًا لإمتاع مالك بحنانها وحبها في كل حين تفرغ فيه من مهامها اليومية أو أثناء أداء بعضها؛ فمن الممكن أن تشرك مالك معها في رعاية أخيه ومناولتها بعض الحاجيات، والحديث معه عن تعبها من الصغير بلال، وإضحاكه بلعبة الاختباء أو (الزغزغة الخفيفة) أو تقليد صوت الحيوانات وحركاتهم. - يمكن إحضار دمية له (على شكل قرد أو دب مثلاً) وتسميتها باسم أخيه؛ ليخرج في هذه الدمية أي مشاعر سلبية يحملها تجاه أخيه، حيث يذكر الدكتور مصطفى حجازي في كتابه "الفحص النفساني" أن "طفلا يدعى جان كان رد فعله لميلاد أخيه الأصغر هو الضيق والتبرم والتبول والتأتأة، ولقد تلاشت هذه الأعراض بمقدار تعبيره عن عدوانيته وغيرته، وذلك بعد أن وضع للطفل دمية مطاطية تحمل اسم أخيه ظل يضربها ويسحلها، حتى هدأت نفسه وأظهر فيما بعد رقة تجاه اللعبة، ثم الأخ"، وقد تقبّل الوالدان هذا العداء الذي وظّفا معظمه في العدوان الرمزي الذي استهدف الدمية، بحيث يصبح ما تبقى من هذا العدوان كمية معقولة يسهل التحكم فيها وضبطها. - لا بد من تجنب كل ما من شأنه أن يوقظ لدى مالك شعوره بالنبذ أو فقد الأمان، وعلى رأس القائمة فصله في المنام، أو ملاعبة أخيه أمامه دون ملاعبته، أو حتى التبسم لأخيه دونما التبسم له، وحينما يستلزم الأمر أن يكون هناك عناية بالوليد بلال أمامه كإرضاعه أو التغيير له أو استحمامه، فلا بد من أن يكون له دور في هذا، وأن يكون هو من توجّه له أمه الحديث المؤنس عن أي شيء، فمثلاً تقول له: "ما رأيك هل أصبح هكذا نظيفا أم نغيّر له البلوفر أيضًا؟ أو كيف ترى رائحته؟ لقد غيرت له كيلا تقول أنت: إف... إلخ". - لا بد من إشعاره بالتفوق الذي يمنحه إياه كونه الكبير، لا بفرض المسئوليات والأعباء بعبارة "أنت الكبير" الذي تحرمه طفولته، ولكن بإشعاره بأنه الأفضل؛ لأنه يمشي لأنه كبير، ويستطيع النطق والأكل واللعب؛ وهو ما لا يجيده أخوه، بحيث يتسامى بغيرته تدريجيًّا؛ ليثبت تفوقه بشكل إيجابي على منافسه (بلال) بدلاً من أن يؤذيه. - لا بد من الحول بين الطفلين بما لا يسمح لمالك أن يوقع الأذى بأخيه، ويفضل أن يكون تعاملهما معًا دائمًا تحت نظر الأم التي يفضل أن يكون مالكًا بالأخص تحت نظرها أثناء لعبه أو تناوله للطعام، بينما يكون أخوه في سريره في غرفة أخرى، وحين يتواجدان معًا فلا بد أن تكون الأم أو الأب أو كلاهما معهما، فتلاطف الأم مالك وتكلمه وتضحكه فلا تواتيه الفرصة لإيذاء أخيه، وحينما يحاول مالك ضرب بلال فلا بد أن تمنع يديه برفق، ثم تقبله الأم أو الأب وتبدأ في إشغاله ومضاحكته، وإحضار لعبته التي اتفق أنها لإخراج الطاقة العدائية ليضربها الأب برفق معه وكذلك الأم، فيضحك ويعرف أنه حين يغضب فعليه أن يضرب هذه الدمية، ويمكن توعيته لفظيًّا بهذا. أخي الفاضل.. أعلم أن المسئولية شاقة على الأم وعليك تجاه الحبيبين، لكنها فترة تمر على معظم الآباء والأمهات، ولا تلبث أن تنتهي وتنقشع كسحابة صيف، فاستعن بالله عز وجل أنت والأم، وشمِّرا بكل حماس للدخول في خضم ممتع اسمه التربية.