الرئيسية

فكر وعقيدة


أغلى شئ


قصة قصيرة


مصطفي محمود رحمه الله


وقف في شارع الحمراء في بيروت يتلفت ويدس يده بين لحظة وأخرى في جيبه حيث الألف ليرة. بحار أعزب عاش عمره سواحاً بين الموانئ يضع قدمه أياما على البر ليعود فيتغرب شهوراً تائها حتى ليصبح نقطة عائمة في زرقة بلا حدود لا يربطه بعلم البشر إلا صوت الترانزستور الصغير المعلق على كتفه أو عجيج ركاب الباخرة السكارى آخر الليل. ومثل كل البحارة قد ورث تلك العادة السيئة من أيام أجداده ماجلان وكولومبس أن يجمع كل ما كسبه طوال غربته ليلقي به بين أحضان أول فتاة يقابلها على رصيف الميناء. وما أكثر ما ختم ليلته بمعركة بالأيدي مع صاحب البنسيون ثم عاد خالي الوفاض بعين وارمة إلى باخرته. تلك حيات البحار. وهذا أغلى ما يملك. تلك اللذات الحادة المتجددة على أرصفة الموانئ بين ضباب الخمور الرديئة وذلك العنف الممتع الذي ينفق فيه كل شيء أو يخسر فيه كل شيء. وهل في الحياة أغلى من ذلك. ذلك الخطر الموشك .. واللذة الجامحة .. والانفعال الدائم. وحينما رأى بعض الفقراء يسجدون ويصلون لله على شاطئ الإسكندرية ذات مرة لم يفهم لمن يسجد هؤلاء ولن يصلون .. وكيف يعطينا الله حياة لننفقها من اجل حياة أخرى. وأين الله هذا الذي يعبدونه. إنه لا يفهم هذا الكلام. إن معبوده في كأس نبيذ .. أو بين ذراعي امرأة. وجنته فورية ولذائذه عاجلة و سعادته يلمسها بيديه . وجحيمه أن يحرم من هذه اللذات ويخرج مطرودا بكلمة على انفه ويفوز بتك اللذات غريمة أمام عينيه يا له من نسيم منعش . يا لها من ليلة دافئة . وراح يغني أغنية ايطالية ويدمدم في استرخاء لذيذ و هو ينزل درجات إلى إستريو على بابه صور عارية . وعلى البار وجدها . ليس أجمل منها ولا في الأساطير . يا له من خصر ضامر .. وردف ممتلئ .. و شفتين مثل كرزتين تتدفقان دما وحيوية . وتصور نفسه يطبق على هذه الشفتين ويغيب في هذا الردف . يا لها من ليلة دافئة معطرة . يا لها من امرأة تثير حتى النخاع . وراح يغني أغنية بذيئة . وغمز له البارمان بأنها أميرة ايطالية , ولكن لا يوجد شئ مستحيل لمن يملك الثمن . وهمس في إذنه وهو يصب كأساً .. أنه يمكن أن يدبر له كل شئ بألف ليرة .. العشاء والشراب و البنسيون وجنة من فواكه لبنان وانهار من نبيذ بوردو ونبع فوار من الشمبانيا الفرنسية الفاخرة وتحفة نادرة من براندي نابليون المعتق مائة سنة في أقبية الأديرة القديمة . ومال عليه يروي قصة الذين فقدوا عقولهم بعد قبلة من هاتين الشفتين . حسنا يا عزيزي البار مان . لا مانع لدي أن افقد عقلي أنا الآخر.. وافقد ما في جيبي أيضاً الآن فوراً . وألقى بالكأس جرعة واحدة في جوفه .. وتأبط الفتاة كأنه يتأبط العالم كله وخرج يغمغم بالأغنية البذيئة . قالت له الفتاة على الدرج وهي تلقي بشعرها على كتفه : - ايطالي ؟ - لا يا أميرة أحلامي ، مل غجري من وار صوفيا .. من بلاد الكروم و الموسيقى والرقص .. ولكنني أستطيع أن أكون ايطاليا من أجل عينيك . واختلس قبلة من عنقها وهو يغمغم : - إني اسطيع أن أكون دائما كما تريد الحسان الفاتنات أمثالك .. وراح يغني أغنية روسينو : امنحيني قبلة أفتح بها الدنيا وأصل بها إلى القمر . يا قيثارتي الجميلة .. دعيني اعزف على أوتار عودك الممشوق لحن الحب . واعتنقا على الباب . هل حدث زلزال فجأة ؟؟ لقد شعر بالأرض تميد تحت قدميه ، وسقط جزء من السقف ، وانطلقت من كل مكان أصوات الرشاشات والهاونات وقذائف المدفعية الثقيلة والصواريخ واشتعلت السماء بوهج احمر .. ومرت لفحة من الهواء الساخن على خده كأنها سيف محمي .. ورأى شظية تقتلع رأس الفتاة أمامه وتترك حفرة ينبثق منها الدم .. ورأى نفسه يحتضن جثة .. وانبطح على الأرض وهو يرتجف . وسمع صوت الترانزستور الصغير المعلق على كتفه يتحدث عن معارك بين الكتائب والقوات الوطنية في عين الرمانة وفرن الشباك والأشرفية وتل الزعتر والحمرا ومنطقة الميناء .. ويحذر المواطنين من رصاص القناصة الذي ينطلق من رءوس العمارات ليقتل بلا تمييز .. وأوامر بحظر التجول .. وتحذيرات من انقطاع الماء والكهرباء . وراح يزحف على بطنه ليصل إلى الميناء ورصاص القناصة يئز فوق رأسه , وتوقف ذهنه تماما . وأصاب الشلل كل تفكيره .. وخيل له أنه يحلم وأن ما يجري حوله كابوس أو خيالات في رأس مخمور أو حالة صرع عامة. وكان يجري ثم يقفز ثم يهرول .. ثم يعود فينبطح أرضا .. ثم يعود فينبطح كالسلحفاة .. ثم يعود فيمرق كسهم .. وحينما وصل إلى الميناء كان يلهث .. وفوجئ بباخرته أصابها لغم شطرها إلى نصفين وأرسلها إلى القاع .. لم يبق له ملجأ سوى مكتب الشركة في الأشرفية . والصق أذنه بالترانزستور فإذا به يسمع إن مكتب الشركة قد نسف وإن الأشرفية تحاصرها الحرائق .. وخرج عليه رجل بكلاشنكوف في يده جرده من كل نقوده في لحظة .. كل هذا حدث في ثوان.. أصبح بعدها .. لا أحد .. فقد العالم الذي ينتمي إليه .. وفقد نفسه وفقد عنوانه وفقد بطاقته وفقد ثروته . وتلفت حوله في ضياع كامل.. وكانت صرخات الجرحى والمحتضرين والوجوه التي جمدها الرعب تطل عليه من كل جانب.. وكان عدة مئات من الأهالي قد خرجوا إلى الميناء يلتمسون مخرجا من الجحيم وكانت حركة البواخر توقفت تماما لتوقف الخدمة والتموين ولهرب العمال من المنطقة التي تحولت إلى ساحة قتال . ولم يبقى إلا بضع سفن شراعية صغيرة يقودها بعض المغامرين في مقابل مبالغ كبيرة إلى اللاذقية واليونان والإسكندرية . وتحركت في صاحبنا غريزة البحار المغامر فتطوع ليقود بضع عشرات من هؤلاء الهاربين في سفينة شراعية إلى الإسكندرية . وهكذا عاد إلى البحر .. نقطة لا تكاد ترى في الزرقة التي بلا حدود . وحينما كانت السفينة تنساب ناعمة على صفحة الزرقة اللازوردية كطائر اللقلق الأبيض كان يستعرض شريط الحوادث السريع المتلاحق لا يكاد يصدق ما حدث .. وكان يحاول إن يفهم .. ولكن القصة لم تكن قد انتهت بعد .. والساعات القليلة التي مضت في حوار ناعم مع نسيم البحر كانت هدنة حرب لأن الأمواج ما لبثت أن ارتفعت وزمجرت الرياح وتمزق الشراع وانكسرت الصواري .. وخرجت السفينة عن خط سيرها المقرر.. والرحلة التي قدر لها أسبوع امتدت لأسبوعين .. ونفذ الطعام وفرغ الماء وبدأت المعركة مع الجوع والعطش . وأصبح عاديا أن يسمع ذلك الذي يصرخ يريد أن يدفع كل ما يملك في مقابل نقطة ماء .. وذلك الذي يعطي نصف عمره في سبيل قطرة شراب يبل بها شفتيه . كانت قطرة الماء تبدو ساعتها أغلى شيء . وفي الليلة السوداء التي حطمت فيها السفينة وغرقت لا يذكر شيئا سوى أنه كان يسبح وحده في بحر بلون القار الأسود ولا أحد غيره على قيد الحياة ولا صوت ولا بصيص ضوء . وحينما كانت قواه تخور سمع شفتيه تسألان الرحمة.. من كان يسأل ولا أحد هناك ؟!! وسمع قلبه يستغيث .. ويستنجد .. كطفل ملقى في العراء هجرته أمه .. بمن كان يستغيث ولا أحد هناك سوى أطباق فوق أطباق من الظلمة .. بمن كان يستنجد ...؟!!! لقد كانت شفتاه صادقتين .. وكان قلبه صادق الطلب .. ولكن لا أحد سواه .. أو لعله أخطأ الفهم .. و لعل قلبه أصاب حيث أخطأ فرأى ما لا ترى العين .. ساعتها كانت الرحمة أغلى شئ .. ومن عنده الرحمة كان أغلى الكل .. ذلك الذي أدرك القلب وجوده وخاطبه مخاطبة الحاضر المشهود . فقال .. يا رب .. رحمتك . واستجاب الرحيم فانتشلته يد قوية وحملته إلى قارب إنقاذ . وفي سرير بمستشفى الإسكندرية فتح الرجل عيناه ليستأنف الحياة من جديد وقد أصبح رجلاً آخر .. رجلاً يركع ويسجد ويدعو مع الداعين . ويصلي مع المصلين .. تلك هي قصة البحار عمرو إسماعيلوفتش الذي عاش حياته يجري وراء أغلى شئ .. والذي عرف أخيراً ما هو أغلى شئ .